• 19 مايو 2024

آيا صوفيا إرث حضاري بين المسيحية والعلمانية والإسلام

آيا صوفيا إرث حضاري بين المسيحية والعلمانية والإسلام

إكرام طباسي – تركيا – عندما تقف أمام مسجد آيا صوفيا تشعر بإمتزاج المشاعر العاطفية والدينية للمكان، فهو بناء ظل صامدا أمام التغيرات الجذرية الدينية والحضارية والتاريخية، فكانت بدايته صرح كاتدرائي مسيحي عظم، ثم إلي معلم ديني مسجد جامع للمسلمين وتارة متحف فني ديني، وأخيرا عاد لكونه مسجد إسلامي حتى يومنا هذا.

أصل الحكاية آيا صوفيا

تم تأسيس هذا المبنى ليكون كاتدرائية مسيحية في عام 537م، في عهد الإمبراطور الروماني جستينيان الأول، وكان في ذلك الوقت أكبر مبنى في العالم وأول من استخدم قبة معلقة بالكامل.

اعتُبر المبنى جوهرة العمارة البيزنطية، وقيل أنه “غيَّر تاريخ العمارة”، ووصفه عدد من الكُتَّاب بأنه “يحتل مكانة بارزة في العالم المسيحي”، وأنه “أعظم من جميع الكنائس المسيحية”.

ويُشير المؤرخون إلى أنَّ آيا صوفيا اعتُبرت رمزًا ثقافيًا ومعماريًا وأيقونة للحضارة البيزنطية والحضارة المسيحيَّة الأرثوذكسيَّة.

كانت الكاتدرائية تُمثِّل الكنيسة المركزية للقسطنطينية، وقد أمر ببنائها الإمبراطور الروماني جستنيان الأول، واستغرق بناؤها حوالي خمس سنوات بين عام 532 وعام 537، حيث افتُتحت رسمياً عام 537م.

كان المبنى الجستنياني الحالي هو الكنيسة الثالثة التي تحمل نفس الاسم على نفس الموقع، حيث دُمرت الكنيسة السابقة في أعمال شغب نيقية.

آيا صوفيا إرث حضاري بين المسيحية والعلمانية والإسلام
آيا صوفيا إرث حضاري بين المسيحية والعلمانية والإسلام

التحول من كنيسة مسيحية إلى مسجد إسلامي

عندما تم فتح القسطنطينية على يد المسلمين عام 1453، تحت الراية العثمانية بقيادة السلطان محمد الثاني الذي لُقب بـ “الفاتح”، أمر برفع الآذان في الكنيسة إيذاناً بجعلها مسجداً.

 واحتوت الكنيسة على مجموعة كبيرة من القطع الأثرية والأيقونات، حيث غُطيت اللوحات الفسيفسائية الموجودة بداخل الكنيسة بطبقةٍ من الجص لكونها لا تناسب استخدام المبنى كمسجد، واستمر ذلك عِدَّة قرون.
وتم لاحقا إضافة اللمسات المعمارية الإسلامية لآيا صوفيا مثل المنبر، وأربعة مآذن، والمحراب.

وظل مسجد آيا صوفيا المسجد الرئيسي لإسطنبول مُنذ تحويله حتى بناء جامع السلطان أحمد القريب، والمعروف أيضاً بالمسجد الأزرق، في 1616م.

وشكل مسجد آيا صوفيا مصدر إلهام لبناء العديد من المساجد العثمانية الأخرى، بما في ذلك المسجد الأزرق ومسجد سليمان القانوني وجامع رستم باشا وجامع قلج علي باشا.

تحويل المسجد إلي متحف

ظلّت آيا صوفيا مسجداً قرابة 500 عام منذ فتح القسطنطينية حتى عام 1931، وبعد قيام الجمهورية التركية العلمانية بقيادة الزعيم العسكري مصطفى كمال أتاتورك، الذي أنهى حكم الخلافة العثمانية عام 1923

وأعلن قيام جمهورية علمانية بدلا عنها، وأُغلق المسجد أمام المُصلين طيلة أربع سنوات ثم جرى تحويله إلي متحف فني يضم كنوزا أثرية إسلامية ومسيحية عام 1935.

اعتبر مسجد آيا صوفيا من عام 2014، ثاني أكثر المتاحف زيارة في تركيا، حيث استقطب ما يقرب من 3.3 مليون زائرًا سنوياً، وفقًا للبيانات الصادرة عن وزارة الثقافة والسياحة التركية، كان متحف آيا صوفيا أكثر مناطق الجذب السياحي زيارة في تركيا عام 2015 حتى 2019.

تحويل آيا صوفيا من متحف إلي مسجد

ألغى مجلس الدولة التركي قرار مجلس الوزراء عام 1934 بتحويل المسجد إلى متحف، وذلك في أوائل يوليو 2020، معللًا بأن مرسوم ذلك المرسوم “غير قانوني”، وفق كل من القانونين العثماني والتركي لأن آيا صوفيا “وَقفٌ إسلامي”، أوقفه السلطان محمد الفاتح، وقد حدد الموقع مسجدًا، وذَكر مؤيدو القرار أن آيا صوفيا كانت ملكية شخصية للسلطان.

مسجد آيا صوفيا بين مؤيد ومعارض وتداخلات سياسية

بعد تحويل متحف آيا صوفيا الي مسجدا حدث جدلًا عالميًا واسعًا ما بين مؤيد ومعارض، فقد صدرت انتقادات واسعة وشديدة من الدول الأوروبية والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة واليونسكو ورؤساء الطوائف المسيحيَّة مثل بطريرك القسطنطينية المسكوني وبطريرك الكنيسة الروسية الأرثوذكسية وفي حين رحبت بها عدد من الدول والهئيات الإسلامية. في حين التزمت روسيا الصمت بحجة أنها أمور داخلية تخص تركيا ولم تعطي أي موقف اتجاه ذلك.

في حين رأي البعض أن موقف تركيا من هذا القرار جاء ليقول للعالم أن تركيا وحدها هي المتحكم بقرارات البلاد ولا شأن للقوى الخارجية في شؤونها الداخلية.

اقرأ ايضا: الدفاع التركية: مسجد آيا صوفيا محمي منذ فتح القسطنطينية

الموقع

شُيد صرح بناء آيا صوفيا عند مدخل مضيق البوسفور في القسم الأوروبي من مدينة إسطنبول بتركيا، ويُعرف موقعها اليوم بـ”منطقة السلطان أحمد”.

سبب التسيمة آيا صوفيا

كانت الكنيسة مُكرسة لـ”حكمة الله”، وهي من ألقاب الأقنوم الثاني في الثالوث، كلمة “صوفيا” هي الإملاء الصوتي اللاتيني للكلمة اليونانية “الحكمة” وعلى الرغم من الإشارة إليها أحيانا “القديسة صوفيا”، إلا أنها لا ترتبط بالقديسة صوفيا، أي “ضريح حكمة الله المقدسة”.

فن العمارة والتشييد في آيا صوفيا

يعد مسجد آيا صوفيا واحدًا من أعظم الأمثلة الباقية على العمارة البيزنطية، وهو بناء حجري يحتوي على مفاصل من الطوب والملاط، حيث زُيّنَ الجزء الداخلي من المبنى بالفسيسفاء وأعمدة الرخام والأغطية ذات القيمة الفنية الكبيرة.

مثلت آيا صوفيا ذروة الإنجاز المعماري في العصور القديمة المتأخرة وأول تحفة معمارية بيزنطية، كان تأثيرها من الناحية المعمارية، واسع الانتشار ودائمًا في المسيحية الشرقية والمسيحية الغربية والإسلامية على حد سواء.

البناء الداخلي الواسع له هيكل معقد، فالصحن مغطى بقبة مركزية يبلغ ارتفاع أقصى نقطة فيها 55.6 متر (182 قدم 5 بوصة) من مستوى الأرض وتستند على رواق من 40 نافذة مقوسة.

وأدت الإصلاحات التي أجريت على هيكلها إلى ترك القبة بيضاوية الشكل إلى حد ما، حيث يتراوح قطرها بين 31.24 و30.86 متر (102 قدم 6 بوصة و101 قدم 3 بوصة).

اقرأ ايضا: مدينة مودورنو التركية السياحية الجامعة للطبيعة والحضارة والتاريخ معاً

عند المدخل الغربي والجانب الشرقي، توجد فتحات معقودة ممتدة بنصف قباب متماثلة القطر إلى القبة المركزية، محمولة على “شرقية” أصغر على شكل نصف قبة، تم إنشاء تسلسل هرمي لعناصر على شكل قبة لإنشاء مساحة داخلية مستطيلة واسعة تتوجها القبة المركزية، مع امتداد يبلغ 76.2 متر (250 قدم)، ويبلغ طول الساحة الكبيرة في آيا صوفيا 31 مترًا.

أما الأرضية تتكون من رخام بروكونيزي، محفور في جزيرة مرمرة (بروكونيز) في بحر مرمرة، كان هذا هو الرخام الأبيض الرئيسي المستخدم في آثار القسطنطينية، وتم جلب أجزاء أخرى من الأرضية من ثيساليا في اليونان الرومانية: “الرخام” الأخضر الثيسالي العتيق.

آيا صوفيا إرث حضاري بين المسيحية والعلمانية والإسلام
آيا صوفيا إرث حضاري بين المسيحية والعلمانية والإسلام

وأشاد العديد من المؤلفين بالأرضية وتمت مقارنتها بشكل متكرر بالبحر.ووُصفت في القرن التاسع بأنها “مثل البحر أو المياه المتدفقة من نهر”.

وفي القرن الخامس عشر أثناء فتح القسطنطينية، قيل إن الخليفة العثماني محمد الفاتح صعد إلى القبة والأروقة لمشاهدة الأرضية، التي كانت تشبه بحسب طورسون بيك “بحرًا في عاصفة” أو “بحر متحجر”.
وتشتهر آيا صوفيا بالضوء الذي ينعكس في كل مكان داخل الصحن، مما يعطي القبة مظهر القبة المُعلَّقة، وتحقيق هذا التأثير من خلال إدخال أربعين نافذة حول قاعدة الهيكل الأصلي، وأدى إدخال النوافذ في هيكل القبة إلى تقليل وزنها.

وأضاف العثمانيون المآذن للمبنى، كطراز إسلامي يُستخدم للدعوة للصلاة عبر الأذان، بنى محمد الفاتح مئذنة خشبية فوق إحدى القباب النصفية بعد فترة وجيزة من تحويل آيا صوفيا إلى مسجد، لكن هذه المئذنة غير موجودة اليوم.

ويحتوي الان مسجد آيا صوفيا على أربع مآذن بُنيت إحداها من الطوب الأحمر، بينما بُنيت الثلاثة الأخرى من الحجر الجيري الأبيض والحجر الرملي.

عودة الآذان في آيا صوفيا

توالت المطالب بإعادة أيا صوفيا مسجدا، فسمحت حكومة حزب العدالة والتنمية بفتح مسجد في الجزء الخلفي من المبنى، وكلفت أجملَ مؤذني إسطنبول أصواتا برفع الأذان من مبنى يقع في ساحة “أيا صوفيا”، ليتردد الأذان عبر مكبرات الصوت في مآذنه.

اقرأ ايضا: إسطنبول.. متحف تشاملجا يتباهى بمقتنيات الرسول محمد عليه الصلاة والسلام

أصدرت رئاسة الشؤون الدينية التركية في يونيو/حزيران 2016 قرارا بتلاوة القرآن يوميا في أيا صوفيا خلال شهر رمضان المبارك لسنة 1437 هجرية، وأطلقت من داخله برنامجا دينيا خاصا بليلة القدر بعنوان “خير من ألف شهر”، رفع في نهايته المؤذن التركي الشيخ فاتح قوجا الأذان من نفس الموقع.

المكانة الدينية والعاطفية

تعد أيا صوفيا معلما أثريا عالميا يعكس الموروث التاريخي لمدينة إسطنبول التي تقع على نقطة تقاطع حضاري بين الشرق والغرب، وكانت على مر التاريخ عاصمة للإمبراطوريات الرومانية والبيزنطية والعثمانية، وأدرجتها منظمة اليونيسكو الأممية عام 1985 ضمن قائمتها مواقع التراث العالمية، فهي مقصد سياحي ديني لملايين المسيحيين الأرثوذكس في كل مكان.

فريق التحرير

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *