كتب السياسي التركي ياسين أقطاي مقالا على صحيفة يني شفق التركية، تناول فيه زيارة الرئيس السوري أحمد الشرع الى تركيا، ولقاءه الودي بالرئيس التركي رجب طيب أردوغان.
وقال أقطاي: “هناك واقع جديد يتشكل في المنطقة، حيث يعاد رسم التوازنات بالكامل في أعقاب الثورة في سوريا، والانتصار العظيم الذي حققته حركة حماس في غزة ضد إسرائيل التي تمارس سياسات الإبادة، إضافة إلى تولي ترامب رئاسة الولايات المتحدة وتصريحاته حول الشرق الأوسط”.
ومع تطور نوايا ترامب بشأن سحب القوات الأمريكية من الأراضي السورية إلى مستوى التخطيط، بات المشهد أكثر وضوحًا لكل من تنظيم “بي كي كي/واي بي جي” وقضية الإرهاب التي تواجهها تركيا، حيث تلوح في الأفق تطورات مغايرة تمامًا عمّا كانت عليه قبل شهرين.
وفي هذا المشهد الجديد، أصبحت تركيا تمتلك أوراق ضغط أقوى من أي وقت مضى على جميع الأصعدة. كما أن الدعوة التي يُتوقع أن يوجهها أوجلان إلى تنظيم “بي كي كي” الإرهابي للتخلي عن السلاح قد تشكل فرصة تجعل التنظيم يعيد النظر في حساباته. وفي الوقت نفسه تلاشت المبررات التي استندت إليها الولايات المتحدة للبقاء في سوريا بذريعة محاربة تنظيم “داعش”، إذ لم تعد لهذه الذريعة أي أساس منطقي أو واقعي.
وفي غياب الواقعية، يصبح من الضروري البحث عن مبررات أكثر إقناعًا لترامب لبقاء القوات الأمريكية في سوريا، وهو ما يبدو حاليًا المهمة الأكثر تعقيدًا في العالم.
ويُدرك الجميع أن الوضع الحالي يحمل مزايا كبيرة لتركيا. وقد صرح ترامب بأن “مفتاح سوريا في أيدي تركيا”. وفي حين كانت سوريا في السابق تتبنى موقفًا عدائيًا تجاه تركيا، أصبح هناك اليوم نظام صديق مستعد للتعاون معها في كل المجالات.
وكان نظام البعث في سوريا أحد أكبر الداعمين لتنظيم “بي كي كي” الإرهابي، والآن حل محله نظام وحكومة متحالفة مع تركيا. وتعتبر سوريا دولة ذات أهمية جيواستراتيجية كبيرة، فضلًا عن قوتها الديموغرافية والثقافية والتاريخية والاقتصادية ومواردها البشرية.
ولكن نظام البعث حال دون اضطلاعها بالدور التاريخي الذي تستحقه، مما أبقاها مكبّلة لعقود. أما اليوم، فهي تتحرر من قيودها لتعود إلى المسرح التاريخي بعودة مبهرة، متماشية في رؤيتها ومسارها مع تركيا.
وبطبيعة الحال فإن كون تركيا الدولة الأقرب إلى القيادة الجديدة في سوريا، وتمتعها بأفضلية استراتيجية في هذا المشهد المتشكل، يمنح حلفاءها مزيدًا من الثقة والاطمئنان، لكنه في الوقت ذاته يثير قلق واستياء بعض الأطراف، وهذا أمر طبيعي، ولكن هناك أيضًا مخاوف مبنية على أوهام لا أساس لها من المنطق.
خلال مشاركتي الأخيرة في إحدى برامج هيئة الإذاعة البريطانية (BBC)، طُرِح عليّ سؤال يجسّد تمامًا تلك المخاوف غير المبررة، فقد سألني المذيع عمّا إذا كانت تركيا قد اكتسبت قوة هائلة نتيجة للتغيرات التي شهدتها سوريا، وما إذا كانت تتبع سياسة توسعية تجاهها. في البداية أعربت عن دهشتي إزاء هذا الطرح، ثم أوضحت ما يلي:
إن الثورة السورية هي ثورة قام بها الشعب السوري وأبناؤه، وهي ملك له وحده. صحيح أن تركيا قدمت دعما لهذه الثورة، وهذا ليس سرا، ولكن اعتبار هذا الدعم مؤشراً على طموحات توسعية لتركيا أمر مشين حقا.
وإزاء معاناة الشعب السوري على مدار60 عاماً، التي أدت إلى مقتل ما لا يقل عن مليوني شخص، وتعذيب أعداد لا تحصى، وتهجير ما يقارب 12 مليونًا آخرين، تبنّت تركيا موقفًا إنسانيًا، رغم العزلة التي تعرضت لها أحيانًا بسبب هذا الموقف، دون أن يكون لديها أي حسابات أو مصالح خفية.
فقد دعمت الشعب السوري بلا اعتبارات تكتيكية أو استراتيجية، واستضافت الفارين من مجازر النظام دون أي أجندة توسعية. واليوم إذ يحتفل السوريون بتحررهم من هذا النظام القمعي الذي يتحمل العالم المتحضر مسؤوليته، ألا يحق لتركيا التي وقفت إلى جانبهم بصدق، أن تشاركهم فرحتهم؟
تشارك تركيا الشعب السوري فرحته بتحرره بكل صدق وهي الأجدر بها، إذ تقف في تضامنٍ كاملٍ مع الشعب السوري. إن القوة الناشئة عن هذا التضامن لا تعكس بأي حال من الأحوال سياسة توسعية مخطط لها مسبقًا، لكنها بلا شك تمنح تركيا نفوذًا ومزايا جديدة. ولم تكن هذه المكاسب مقصودة أو مخطط لها، ولم تسعَ تركيا، على غرار آخرين، إلى توظيفها لتحقيق مكاسب أحادية على حساب الشعب السوري.
إن وجود تركيا في الصومال وليبيا وغيرهما كان دائماً لصالح شعوب تلك الدول، فحيثما حلت كانت دائمًا عامل استقرار وسلام، تسهم في تحقيق المزيد من المكاسب لشعوب تلك المناطق.
وخلال البرنامج، أشار المذيع إلى مقال كنت كتبته سابقًا حول ” الوحدة الإسلامية”، وسألني عمّا إذا كانت تركيا تسعى لأن تكون مركزًا لهذه الوحدة. ثم زعم أن التغيرات في سوريا وزيادة النفوذ التركي تُثير قلق السعودية ومصر. فأجبتُ بأنه لا يوجد ما يستدعي قلق البلدين، وأن السعودية لا تشعر بأي تهديد من الثورة السورية، كما أنه لا يوجد ما يدفع مصر إلى الشعور بأي تهديد أيضاً. بل على العكس، فإن الظروف في مصر تختلف تمامًا عن ظروف سوريا، وليس هناك أي احتمال لأن تنخرط الثورة السورية في أي نشاط قد يكون ضد مصر.
وفيما يتعلق بالسياسة المتعلقة بالوحدة الإسلامية، فقد أوضحتُ أنه إذا كانت هاتان الدولتان ترغبان في قيادة مثل هذه الوحدة، فإن ذلك سيكون مدعاة لسرورنا. فليتفضلوا ويقدموا الحلول للمشاكل التي يعاني منها العالم الإسلامي في مجال التمثيل السياسي والوحدة، وسندعمهم في ذلك.
ولا يشترط أن يكون هناك مركز محدد لهذه الوحدة، فمن الممكن أن تقوم منظمة التعاون الإسلامي بهذا الدور نسبياً إذا تم تطويرها وإدارتها وفقًا لموقفها وغاياتها الأساسية، أما تركيا فهي لا تنظر إلى هذه المسألة باعتبارها ميدانًا للتنافس، بل باعتبارها مهمةً جماعيةً ينبغي القيام بها. وقد كان نهجها السياسي وإرادتها حتى الآن يسيران في هذا الاتجاه.
في الأسبوع الماضي، تم إعلان أحمد الشرع قائد الثورة السورية، رئيساً انتقالياً للجمهورية العربية السورية، خلال اجتماع ضم جميع مكونات الثورة. وبعد أن تولى الشرع رسميًا منصب الرئيس، قام بأول زيارة له إلى المملكة العربية السعودية ومن ثم إلى تركيا، بالتزامن مع زيارة رسمية لوزير الخارجية المصري لتركيا، في مشهد حركة دبلوماسية كان من المستحيل تصوّره قبل شهرين فقط.
وتُظهر هذه الصورة بوضوح أنه ثمة إشارات جادة تدل على إدراك عميق لدى دول المنطقة لأهمية التوافق في تحديد مصيرها المشترك. إنه مشهد واعد للغاية، ويشير بوضوح إلى انفتاح أفق واضح للحوار والتفاهم المتبادل والإرادة المشتركة لمستقبل الدول في المنطقة.
يجب ألا نسمح لأي شيء أن يحجب هذا الأفق الواعد. فالجدران والعداوات التي أُقيمت بين شعوب كان من المفترض أن تكون واحدة ومتآخية ثقافيًا وتاريخيًا وسياسيًا، حالت دون ظهور قوة تاريخية حقيقية. والآن هناك الكثير من العمل المشترك الذي يجب القيام به. إن التعاون والتفاهم المقررين في هذا الأفق الجديد يُشيران إلى نقطة تحول جديدة ومنعطف تاريخي جديد نسأل الله أن يجعل هذا خيراً على الأمة الإسلامية.
المصدر: يني شفق
اقرأ أيضا: القبس: الرئيس السوري أحمد الشرع سيزور الكويت قريباً
اقرأ أيضا: أردوغان: نثق بقرب تحقق الاستقرار في سوريا تحت قيادة الشرع الحكيمة




































