• 2 يوليو 2022
 البيوت التركية الحجرية الريفية بين حداثة الحاضر والماضي

البيوت التركية الحجرية الريفية بين حداثة الحاضر والماضي

البيوت التركية الحجرية الريفية بين حداثة الحاضر والماضي

إكرام طباسي- تركيا – البيوت التركية الحجرية الريفية- عندما تسمع بالبناء التركي، يتبادر إلي ذهنك مباشرة المباني والعمران الشاهقة والمجمعات السكنية الفاخرة، وعند زيارتها تقفز أمام عينيك عظمة المشهد واختلاف أشكال وتنوع الاعمار في تلك المدينة، تكاد تظن أنه لا مكان للبيوت القديمة ذات البناء الطوبي، لأن بلدا كتركيا حتما ستواكب حداثة التطور العمراني. وعند زيارتك للقرى والمدن الريفية سوف تجذب انتباهك تلك البيوت الصغيرة، المبنية من الحجارة والطين وهي صغيرة نسبيا، للوهلة الأولى تظن أن هذه البيوت تكاد تتسع لعائلة صغيرة، لكن في الحقيقة على الرغم من حجمها الصغير، إلا أن كل منزل صغير يميل إلى استضافة عائلة صغيرة كاملة على الأقل وربما عائلة ممتدة أيضاً كما هو في عادات المجتمع التركي.

البيوت الحجرية التركية الريفية وجوهر الثقافة التركية

تتميز البيوت التركية الحجرية الريفية الصغيرة في القرى والأرياف، بصغر حجم النوافذ ومداخلها الكبيرة، وأرضيتها الحمراء الجذابة المبنية من الحجارة والطين الأحمر، أي مواد البناء البسيطة البدائية التي يمكن الحصول عليها بسهولة وإعادة معالجتها وتدويرها.

البيوت التركية الحجرية الريفية بين حداثة الحاضر والماضي
البيوت التركية الحجرية الريفية بين حداثة الحاضر والماضي

وترتبط هذه المشاهد بذاكرة المواطن التركي، فهي تحمل ذكرياته وتعيده إلى ماضيه في بيت العائلة ودفئها في حضن الجد والجدة، وبالرغم من صغر حجمها مقارنة بالمباني الحديثة، إلا أنها تحمل الخبايا والأسرار خلف أبوابها الموصدة، مما يجعلها منازل فريدة من نوعها تعكس روح وجوهر الثقافة التركية الممتدة منذ قرون طويلة.

وتنتشر البيوت التركية الحجرية الريفية التقليدية الصغيرة في أنحاء الأناضول والتي سكنتها أجيال، قد تبدو صغيرة من الخارج، لكن وظائفها كبيرة، ولكن هناك أسباب الكامنة وراء بعض الخصائص الغريبة لهذه المنازل.

سمات بيوت القرى التركية الصغيرة وأسرارها

تتميز منازل القرى التقليدية المبنية من الحجارة والطين في تركيا بحجمها الصغير نسبياً، والتي يمكن أن تحتضن عائلة ممتدة.

ويتميز نمط الحياة في القرى التركية بكرم الضيافة، فمعظم منازل القرى في تركيا تمتاز بالضيافة التي تمتد فيما بينها، فيجتمع بها الجيران والأصدقاء والعائلة الذين يكونون فيها بانتظام دون سابق إنذار لتناول الشاي والأحاديث التي تطول فيما بينهم. وتحتوي أغلب المنازل الحجرية على مناطق جلوس واسعة في الهواء الطلق وأحياناً منصات مبطنة بالوسائد لاستضافة الزوار.

اقرأ ايضا: أردوغان: تركيا ستستخدم صلاحياتها لمنع تسليح الجزر في بحر إيجة

ويعود سبب صغر حجم هذه البيوت إلى التراث البدوي الذي جلبه الأتراك معهم إلى المنطقة، وأيضا هناك أسباب أمنية لكون المنازل التقليدية في تركيا صغيرة، وذلك لعدم لفت انتباه القراصنة في المناطق القريبة من سواحل إيجة والبحر الأبيض. وبنيت غالبية هذه المنازل القروية طريقة “Imece”، وهو مفهوم في تركيا يعني أن أفراد المجتمع يتطوعون بجهودهم ومهاراتهم لبناء شيء ما معاً.

البناء التركي بين الحضارة والحداثة

كما ذكرنا سابقا أن منازل القرى التقليدية في تركيا مصنوعة من الحجر والطين، الذي استعمل لربط الأحجار ببعضها البعض.

وتميل البيوت التركية الحجرية الريفية إلي البساطة وعدم التكلف نظرا للامكانيات المتوفرة في تلك المنطقة، فإن طريقة البناء نفسها توفر عزلاً هائلاً في كل من الطقس البارد والحار، يمكن أن يصل سمك الأحجار المستخدمة إلى نصف متر، مما يعني أن هذه المنازل قد تكون ظن الداخل أصغر حتى مما تظهر في الخارج.

وتميل النوافذ إلى أن تكون صغيرة وفي واجهة لا تطل على البحر في أغلب الأحيان، خوفاً من هجوم القراصنة، ففي القرنين الرابع عشر والسادس عشر، أُنشئت القرى في أعالي الجبال في المناطق الساحلية، فيما بُنيَت نوافذها في زوايا مظلمة بطريقة لا يمكن رؤيتها من البحر عندما يسطع الضوء منها.

اقرأ ايضا: الولايات المتحدة مستعدون لمناقشة تخفيف العقوبات على كوريا الشمالية.. بشرط

سمات البيوت التركية الحجرية الريفية

تحتوي معظم البيوت التركية الحجرية الريفية التقليدية على موقد ضخم (نحو متر مربع) في الهواء الطلق، وتُستخدم هذه المواقد لغرض الطهي وليس لتوفير الحرارة في الداخل، وتُحوَّل هذه المواقد على الفور إلى أفران تعمل بالحطب لخَبْز الخُبز وتحضير الأطباق المنزلية المطهية على نار مفتوحة.

أما داخل البيوت توجد المدفأة التي يشار إليها باللغة التركية باسم “سوبا” تُستخدم لتدفئة المنزل، وأحيانا قد تحتوي على فرن خاص لتحضير الطعام، والجزء العلوي منها يجب أن يستخدم دائماً لغليان الماء وللحفاظ على إبريق الشاي ساخناً على الدوام.

وتحتوي منازل القرى في تركيا أو البيوت التركية الحجرية الريفية على مقاعد ممتدة من الجدار إلى الجدار تكون عادةً قواعد تشبه السرير مغطاة بالحصائر والوسائد تسمى بالديوان، يسمح هذا النوع من المقاعد للكثير من الناس بالجلوس والنوم بشكل مريح إذا لزم الأمر، ويميلون إلى أن تكون مساحة مفتوحة في وسط الغرف، والتي جميعها مغطى بالسجاد.

وتتميز غرف المعيشة في المنازل التقليدية في تركيا بمساحات مفتوحة في وسطها صينية نحاسية ضخمة موضوعة على حامل في وسط الغرفة لمشاركة الوجبات.

وتحتوي معظم البيوت التركية الحجرية الريفية على مخازن مُعدة بعناية لحفظ الأجبان والمخللات والدبس والمربيات ومونة البيت.

اقرأ ايضا: شركة سادات ترفع دعوى تعويضية ضد كيليتشدار أوغلو

البيوت التركية الحجرية الريفية القديمة إرث حضاري

لم تعد الأنماط المعمارية للمساكن التركية القديمة مستخدمة، نظرا لحداثة البناء والتطور المعماري الكبير في الدولة، لذا فإن الحفاظ على الهياكل المتبقية سليمة هي الطريقة الوحيدة لرؤية الأنماط المعمارية في التاريخ، وذلك نتيجة عاملان دافعان على أنماط الإسكان، وهما الميزانية والتطبيق العملي.

إن معظم البيوت التركية الحجرية الريفية القديمة كانت مصنوعة من الخشب أو الحجر أو مزيج من الاثنين معا، مثل المنازل الخشبية القديمة في اسطنبول ومنازل Yayla في جبال البحر الأسود Kackar والمنازل الريفية في بحر إيجة والبحر الأبيض المتوسط.

البيوت التركية الحجرية الريفية بين حداثة الحاضر والماضي
البيوت التركية الحجرية الريفية بين حداثة الحاضر والماضي

مميزات البيوت التركية الحجرية الريفية القديمة

يتميز السجاد والمنسوجات التركية المصنوعة يدويًا بشكل بارز ، ومع وجود جيلين أو أكثر يعيشون في نفس المنزل ، كانت الغرفة المشتركة المركزية الكبيرة ذات أهمية قصوى في المناطق الريفية، وكان الطابق السفلي عبارة عن منطقة تخزين للحيوانات تخبرنا اليوم عن سبب ظهور تربية الحيوانات في الحياة اليومية بشكل اعتيادي.

وإن طريقة البناء التي أسست فيها البيوت القديمة  تروي قصص جيل حضاري يستخدم أبسط المُتاح لديهم ذلك الوقت لصناعة بيوت تحقق أمنهم وراحتهم ورفاهيتهم المصنوعة بأبسط المواد.

وهذه البيوت لم تبن عن عبث، وتصميم الديكور التراثي القديم والتصاميم المبهرة، فكل زاوية من زوايا المنزل تروي ذكرى معينة حدثت فيه، فالمدفأة المتصلة بمدخنة تقليدية في السقف، وأمامها بعض الحطب، ونارٌ مشتعلة تملأ الغرفة نوراً ودفئاً، قد يكون هذا المنظر بالذات من أكثر ما يدفع المشغفين بعالم العقارات لشراء مثل هكذا بيوت في تركيا.

وتتميز هذه البيوت بالطابع العثماني القديم والزخارف والإتقان في البناء والتفنن في الديكور المنزلي، واستخدام مواد بناء متميّزة جعلت المنزل يقاوم الأعاصير والعواصف السابقة وبقي صامداً لهذا اليوم ومنها ما قاوم الزلازل حتى، بالإضافة إلى استخدام أجود أنواع الخشب في صناعة الأبواب والنوافذ والخزائن الداخلية والأدراج، هذه الملامح التراثية في المنزل تزيد من الرغبة بالعيش فيه وتملكه لشده جماله وبساطته.

وتتميز أغلب المقاهي الشعبية أو المطاعم الفاخرة التي يذيع صيتها ببناء ديكورات تراثية مشابهة للمنازل القديمة، وفي بعض الأحيان يكون المطعم مقامٌ بالفعل في منزل قديم، فالسيّاح الأجانب يلفت انتباههم تلك المطاعم والمقاهي البعيدة عن التكلف والتي تظهر عليها ملامح الحضارات القديمة التي مرت على هذه الأرض، فيستطيع السائح أن يفهم من تفاصيل البناء معلومات كثيرة عن ثقافة الشعب التركي وطريقة عيشه فيما مضى.

اقرأ ايضا: الشاي التركي بين العادات والموروثات وصديق جل المناسبات

اقرأ ايضا: روسيا: الهجمات الإلكترونية على مرافقنا قد تؤدي لمواجهة عسكرية مباشرة

إنّ البيوت التركية الحجرية الريفية القديمة بُنيت فيما قبل عندما كانت الأراضي رخيصة الثمن و كانت الحاجة إلى استقلالية الفرد في الشقق غير مطلوبة ، قد تجد المزيد من مساحات واسعة في باحات المنزل.

فريق التحرير

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.