• 2 يوليو 2022
 الجيش الروسي تخبط واستنزاف دامي في المستنقع الأوكراني

الجيش الروسي تخبط واستنزاف دامي في المستنقع الأوكراني

الجيش الروسي تخبط واستنزاف دامي في المستنقع الأوكراني

الكاتب فايز الأسمر -باحث في القضايا السياسية والأمنية الشرق أوسطية – بتاريخ” 24″ شباط الماضي أعلن الرئيس الروسي “فلاديمير بوتين” عن بدء ما أطلق عليه بالعملية العسكرية الخاصة، التي حشد لتنفيذها من الجيش الروسي أكثر من 150 ألف مقاتل بقضهم وقضيضهم للقيام بإجتياح واسع لجمهورية أوكرانيا.

الحرب الروسية الأوكرانية

عمليا فإن هذا الغزو من الناحية التكتيكية والعملياتية الاستراتيجية هو أبعد مايمكن عن مسمى العمليات الخاصة، فالعمليات الخاصة عادة ماتكون خاطفة ومحدودة الأهداف والزمن .أما ماقام به “بوتين” وجيشه فهو لا يخرج من تحت عباءة حرب ضروس واسعة مكتملة الأركان تستخدم فيها كافة أنواع الترسانات البرية والبحرية والجوية والصاروخية الحديثة التي دمرت من خلالها بلاد كاملة بمدنها وحواضرها وحصدت أرواح الآلاف من جيشي البلدين إضافة أرواح عشرات الالاف من المدنيين الأبرياء وتدمير ممتلكاتهم وإجبار ملايين آخرين للنزوح خارج مدنهم وبلداتهم إلى دول البلطيق والدول الأوربية المجاورة.  

لاشك أن هذه الحرب التي أرادها “بوتين” إن تكون عملية خاصة ومع زيادة أيامها ووتيرتها واستخدام أسلحة نوعية لكلا الطرفين فيها على مايبدو  أصبحت، وكما أراد لها الغرب وواشنطن أن تكون مستنقعاً ورمالاً متحركة باتت ولاتزال تبتلع وتستنزف الجيش الروسي ومدرعاته وأسراب طائراته التي أصبحت كما هو واضح للعيان خردة تملئ بلدات وشوارع المدن الأوكرانية بعد أن حاولت عبثاً وفشلت حتى هذا الوقت في إخضاع العاصمة أو المدن الكبيرة التي وضعتها أهدافا مباشرة للسيطرة عليها وإسقاط الحكومة فيها.

اقرأ ايضا: بيرقدار شيفرة الحرب.. كيف نجحت تركيا في استهداف قادة PKK الإرهابي بالعراق؟

من الملاحظ أنه وبعد إنقضاء قرابة الثلاثة أشهر على بدء الأعمال القتالية أن القوات الروسية منذ بدء غزوها لاتزال تعاني من العقم والتخبط التكتيكي وسوء تقدير المواقف وإدارة المعارك، وعدم القدرة على إيجاد الأساليب والخطط الناجعة لإحداث خروقات نوعية تحسب لهم على الجبهات و المحاور الكثيرة التي تم فتحها على الأراضي الأوكرانية، وخاصة في شمال البلاد ( كييف، خاركييف، تشرنهييف، إربين ) وغيرها وهذا أرجعه تحليلا إلى الأسباب الهامة التالية:

  1. المفاجأة والخسائر الفادحة بالأرواح والمعدات التي تعرضت ولاتزال تتعرض لها القوات الروسية على كافة الجبهات والمحاور منذ بدء العمليات القتالية.
  2. اتساع الجبهات والتعدد الكبير للمحاور التي فتحها الجيش الروسي منذ بدء العمليات، والتي كانت من أهم الأسباب التي أضعفت الزخم الهجومي والمحاور كافة وشتتها وعرضها أكثر للخسائر.
  3. المقاومة الشديدة التي تعرضت لها القوات الروسية والثبات والصمود اللافت الذي أبداه الجيش الأوكراني على غالبية الجبهات.
  4. الخلل الكبير في تغذية جهود الأنساق الهجومية الروسية،  التي تعرضت لخسائر فادحة مترافقا مع عدم القدرة على استيعاض واستكمال نسبة تلك الخسائر والضعف الظاهر واللافت في الإمدادات اللوجستية بأنواعها.
  5. طرق الإمداد التي أصبحت بعيدة ومتفرعة وتتعرض للغارات والكمائن ولضربات طائرات البيرقدار  التركية والمدفعيات الصاروخية بأنواعها.
  6. إبتعاد الجيش الأوكراني عن أساليب خوض المعارك الكلاسيكية والتقليدية ( الدفاع من حالة التماس المباشر أو عدم التماس المباشر) ولجوءه الناجح جدا الى الدفاع المتحرك وأعمال الكمائن والإغارات، وخطوط الصد والإعاقة الموزعة في الجبهة والعمق، والتي استطاعت بفعالية إيقاف زحف الجيش الروسي وتكبيده الخسائر الكبيرة في العدة والعتاد.
  7. الإمدادات والأسلحة واللوجستيات الضخمة التي يتم وبشكل مستمر تزويد الجيش الأوكراني بها من قبل حلف الناتو، والتي ساهمت إلى حد كبير في تغيير وتحسين المعادلة الميدانية وزيادة الصمود للقوات الأوكرانية، ومن هذه الأسلحة الآلاف من صواريخ ال م/ د من نوع جافلاين الأمريكية و (إن لاو) الإنكليزية وعشرات الطائرات المسيرة الانتحارية من طراز “سويتش بليد” ومدفعيات الهاوتزر من عيار 155‪مم،  ومنظومات S300 التي تبرعت بها سلوفاكيا إضافة لآلاف من صواريخ م/المحمولة من نوع ستينجر وغيرها من الوسائط المدرعة وقطع التبديل للطائرات 

مجريات الحرب

من كل ما تقدم فالملاحظ أن حسابات “بوتين” وقياداته العسكرية قد باءت وحتى الآن بالفشل الذريع، وباتت القوات الروسية كما شاهدنا مؤخرا مجبرة أن تنسحب من العديد من المواقع التي سيطرت عليها سابقا في الشمال الأوكراني وفي محيط (كييف وخاركييف وتشرنهييف وبوتشا وإربين).

وباتت القيادة الروسية السياسية والعسكرية تخفض من سقف أهدافها وتبحث جاهدة عن نصر معنوي يحفظ لها ماء وجه جيشها الذي قد تجده في السيطرة المحتملة على كامل إقليم “الدونباس” شرقي البلاد، أو في تركيزها الجهود على مدينة “ماريوبول” و  أوديسا” في جنوبي البلاد، والسعي للسيطرة عليهما أيضا والهدف كما بات معروفا هو عزل الأراضي الأوكرانية عن سواحلها الواقعة على ” البحر الاسود وبحر آزوف” ، وإقامة جسر بري يصل” القرم وخيرسون ” وربما “أوديسا” و “ماريوبول” مع إقليم “الدونباس” والأراضي الروسية.   

من خلال الرصد والمتابعة الميدانية فالملاحظ أنه ورغم الخسائر والدمار الكبير في المدن، فلا تزال القوات الأوكرانية تلحق خسائر فادحة بالجيش الروسي الأكبر والأفضل تسليحاً، وتعيق تقدمه على عدة جبهات، وذلك باستخدام مختلف أنواع الأسلحة الدفاعية والتكتيكات العسكرية التي تعتمد غالبا على أعمال الكر والفر وحرب الكمائن والإغارات، الأمر الذي إنعكس سلباً على خطط “موسكو” في “أوكرانيا”، وكذلك على معنويات جيشها الذي أنهكته الخسائر الكبيرة.

وأدت به إلى تنفيذ إنسحابات تكتيكية كثيرة من عدة مواقع سيطر عليها سابقا لصالح القوات الأوكرانية، ولجوءه وكالعادة إلى اتباع سياسة الأرض المحروقة باستخدام الطائرات الاستراتيجية وصواريخ” الكينجال” فرط الصوتية وصواريخ” اسكندر” وغيرها من الترسانات التدميرية.

أسباب انسحاب الجيش الروسي من المدن

بالتحليل فإنني أرجع انسحاب القوات الروسية وتخليها الجزئي عن بعض المناطق مثل (بوتشا، اربين، سومي) وغيرها إلى الأسباب التكتيكية والعملياتية التالية:

  1. الخسائر الكبيرة التي تعرضت لها تلك القوات في الأرواح والمعدات نتيجة الإمدادات العسكرية للجيش الأوكراني التي لم تنقطع.
  2. حاجة القوات الروسية إلى إعادة تجميع وتبديل قواتها التي تعرضت للخسائر، واستكمال نسبة القوى والخسائر، وتدقيق المهام والقرارات وإجراء نقد وتحليل، وتلافي السلبيات التي ظهرت في المعارك السابقة.
  3. اتساع الجبهات لمئات الكيلومترات، وتعدد المحاور التي فتحتها القوات الروسية اعتبارا من شمال البلاد إلى جنوبها التي أدت للتسبب بالخسائر الفادحة وإضعاف الأنساق الهجومية للجيش الروسي على كافة الجبهات.
  4. بعد الخسائر الفادحة أصبحت القوات الروسية بأمس الحاجة إلى نصر معنوي، وبالتالي تغيرت استراتيجيتها إلى تركيز الجهود على الجبهة الشرقية في إقليم “الدونباس”  لإحداث خرق فيها، وإنهاء السيطرة عليه وعلى مدينة “ماريوبل” بالكامل.
  5. تريد “موسكو” الإعتماد على الضربات الصاروخية واستهداف المناطق الحيوية والإستراتيجية واستنزافها (مستودعات الوقود، مخازن الأسلحة،  المطارات، مراكز القيادة والسيطرة) والتي ستؤثر  مع الوقت على القدرة القتالية للجيش الأوكراني.
  6. تريد “موسكو” تركيز وتعزيز جهود النسق الهجومي على “ميكولايف” و “أوديسا” لإنهاء إرتباط البر الأوكراني وكامل الشريط الساحلي له مع بحر آزوف والبحر الأسود.

تحليلا ومن خلال التحركات الميدانية الأخيرة والقصف الشديد والقراءة الدقيقة لخارطَة العمليات، فالملاحظ أن القوات الروسية بعد تعديل خطط هجماتها الأخيرة فقد باتت أكثر  تركيزا على استخدام وتطبيق مناورات “الإحاطة والإلتفاف” البعيدين بهدف تطويق القوات الأوكرانية المتبقية في بعض مناطق إقليم “الدونباس،”والمناطق الشرقية من خلال القيام بهجومين متعاكسين الأول شمالي شرقي انطلاقا من ضواحي “خاركييف” و إقليم دونباس ، والثاني جنوبي انطلاقا من “خيرسون” “ماريوبول” و”زباروجيا”، وفي حال التقاء المحورين تكون القوات الأوكرانية الموجودة في الأقاليم الشرقية قد حوصرت بشكل كامل .

اقرأ ايضا: تركيا تجمع روسيا وأوكرانيا على طاولة واحدة بمنتدى أنطاليا الدبلوماسي 2022

اقرأ ايضا: روسيا تحتفي بأردوغان.. ما هي العلاقات الخفية؟

ختاما.. لاشك أن الجيش الروسي وبعد فشلها وعجزها حتى هذا الوقت من تحقيق أهدافها الميدانية المرسومة التي أشار إليها بوتين، فقد باتت هذه القوات تعتمد وبشكل أكثر على ارتكاب المجازر الدامية المعروفة عنها بحق المدنيين من خلال القصف العشوائي للبنى التحتية والأهداف المدنية مثلما فعلت في ارتكاب مجزرة “بوتشا” و”اربين” ومحطة القطار في مدينة “كراماتورسك”. ولاشك أيضا أن واشنطن والغرب في هذه الحرب قد اكتشفوا ووصلوا إلى مايريدونه من خلال تقييم قدرات الجيش الروسي، واكتشاف سلبيات تكتيكاته وضعف قدراته العسكرية وطرق إدارته للمعارك واستنزافه أكثر ولفترات قد تكون طويلة. 

ملاحظة: الآراء السياسية الواردة في المقال تعبر عن كاتبها.

 

فريق التحرير

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.