• 2 يوليو 2022
 الميكافيلية وحكم الوارث والموروث..!؟

الميكافيلية وحكم الوارث والموروث..!؟

الميكافيلية وحكم الوارث والموروث..!؟

فايز الأسمر – باحث في القضايا السياسية والأمنية الشرق أوسطية- الميكافيلية وحكم الوارث والموروث- لا شك ومنذ القدم أن السلطة والقوة بأنواعها المتعددة وخاصة العسكرية والإقتصادية والأمنية هي من أهم الأسس التي تقوم وتبنى عليها الأمم والممالك والإمبراطوريات وغيرها من التسميات، بل وتعتبر من أهم الركائز التي تؤدي إلى تجذرها وإطالة عمرها وبقاءها وزيادة تحصينها، وبفقدان السلطة والقوة أو عدم الإهتمام الصحيح والكافي بها وبأساليب تنميتها ورعايتها.

وفإن الضعف وبلا أدنى شك سينخر بالتراكم والتقادم جسد هذه المكونات وتصبح عرضة للمطامع والغزو والتفكك أو الزوال، وهذا ماكان حقيقة واقعة ومر كثيرا في التاريخ والعصور والقرون الماضية التي شاهدنا فيها وتابعنا اندثارات لممالك وإمبراطوريات وخلافات، وانهيارا لدول وقيام ونهوض مثيلات لها ملكت من أسباب القوة والسلطة ما مكنها من النشوء على أنقاض وجغرافيا الامبراطوريات والممالك المندثرة.

وفي واقع الأمر نحن كبشر شئنا أم أبينا ننتمي ومنذ القدم بلا حول منا ولا قوة إلى عالم يأكل فيه القوي الضعيف، أو يتسلط عليه ويستعمره ويجني ثرواته ويتحكم به بأشكال وأساليب متعددة، ولذلك نرى في عالمنا الذي نعيش فيه سباقا محموما بين المجتمعات والدول للتسلح المشروع وغير المشروع والعمل على زيادة وتفعيل اسباب قوتها وتحديث ترساناتها  وإقامة التكتلات والتحالفات؛ الهادفة إلى توفير أساليب ومتطلبات القوة السياسية والردعية_ التي تستطيع من خلالها المحافظة “ربما” على حماية وجودها وأمنها القومي.

نيكولو ميكافيلي في كتابه “الأمير” الذي  نشر عام “1532”م يقول: إن على القائد الجمع ما بين قوة الأسد ومكر الثعلب..! ؛ وإن القوة والعنف هي أشياء ضرورية لبقاء الدول، ولا بد من توفرها للسيطرة وتحقيق الأهداف، وعلى القائد والأمير ان يقيم جيشا وطنيا قويا لا جيش مرتزقة، وإن يوزع ثروة البلاد بالعدل شاملا الطبقة الفقيرة لأنها تشكل غالبية الشعب وهي أساس قيام الثورات!

عمليا فإن الحكم والسلطة والعدل الاقتصادي وبناء القوة والجيش الوطني التي نادى بها ميكافيلي في كتابه الأمير ومع اختلافنا الكبير معه هي بلاشك  نسبيا من أسباب قوة الدول ونهضتها وبقاءها، ولكن السيد ميكافيلي عندما كرس وتبنى فيه مفهوم الغاية تبرر الوسيلة وجعله مفهوما شموليا فضفاضا لم يقيده بالضوابط الأخلاقية والشرعية.

فقد برر بهذا إذا الحاكم قتل واستعبد شعبه دون أي رادع، ومن هنا فقد كانت النظرية الفلسفية الميكافيلية على مايبدو عكس مايريد ويشتهي السوريين، بل وجاءت عليهم هذه المقولة والنظرية بالويل والثبور والقمع والمجازر الدموية والعيش راضين مرضيين تحت نير عبودية الحاكم.

بالطرف المقابل فقد عشق الموروث والوارث من آل الأسد النظرية الميكافيلية وامسكوا بتلابيبها بكل ما أوتوا من قوة، طيلة خمسة عقود من الزمن ولا يزالون، وجعلوا منها قاعدة ونهج وأسلوب عمل لاستمرار حكمهم الإستبدادي، الذي نسوا وتناسوا فيه توظيف هذه السلطة والقوة والثروة واستثمارها في استعادة القدس والجولان والحقوق المغتصبة، وحماية السكان وتحقيق أمنهم وأمانهم و أمانيهم وتنفيذ القليل من شعاراتهم الكاذبة الفارغة_ الصمود والتصدي والتوازن الاستراتيجي والمقاومة والممانعة التي صدع بها الأب والابن الأمة العربية والإسلامية وضحك ولا يزال يضحك بها علينا وعليهم بشعارات عاش ويعيش السوريون بسببها عقودا من الاستعباد والفقر والحرمان إنقضت سنينها فقط للبحث عن لقمة عيش تبقيهم أحياءا امواتا.

في الواقع أن الجيش والمؤسسات الأمنية التي أعاد حافظ الأب بناءها وهيكلتها على أسس طائفية مقيتة، لتناسب مخططاته الخبيثة في استعمار سوريا واستعباد السوريين؛ وبقاءه وعائلته على كرسي الحكم لفترات طويلة من الزمن كان يصرف عليها جزافا أكثر من 60٪ من ميزانية البلاد السنوية،   فكانتا الأداة والوسيلة الميكافيلية المستخدمة لقمع الشعب وحماية كرسي الحكم، والوقوف في وجه أي ثورة أو تمرد قد يهدد أمن هذا الكرسي.

وهذا ما كان على أرض الواقع عندما نفذت هذه السلطة والقوة  الأسدية الغاشمة مجزرة حماة في شُباط 1982، والتي راح ضحيتها حسب تقديرات اللجنة السورية لحقوق الإنسان  أكثر من 40000 من القتلى، ودمر اجزاءا كبيرة من المدينة القديمة فوُصفَت المجزرة حينها بأنها أحدى «أكثر الأعمال دموية التي قامت بها حكومة عربية ضد شعبها في التاريخ الحديث للشرق الأوسط».

أما في عصر الوارث الذي كان امتدادا متواصلا لاجرام الموروث، فقد جعل هذا القاصر (بشار الأسد) أيضا من نظرية ميكافيلي الغاية تبرر الوسيلة، والضرورات تبيح المحظورات منهجا وأسلوب عمل للتشبث أكثر بالكرسي الموروث والبقاء على رأس الحكم.

ولذلك استخدم سلطته وفروعه الأمنية المتعددة وجيش الصمود والتصدي وكبار قياداته المجرمه وعشرات الميليشيات الطائفية العابرة للحدود منذ مايقارب من 11 عاما، لتدمير البلاد فوق رؤوس أهليها وارتكاب ابشع انواع المجازر وجرائم الحرب والتقتيل والتهجير والتشريد، مستخدما كافة أنواع الأسلحة والذخائر المحرمة والتقليدية ضد الشعب السوري الصابر المحتسب بعد أن قام هذا الشعب بثورة الكرامة 2011 لإسقاط نظام حكم هذه العصابة الطائفية القمعية المجرمة التي صادرت حقوقهم وحرياتهم والجاثمة على صدروهم منذ أكثر من خمسين عاما.

ختاما.. على مايبدو  وكان آل الأسد في فترة حكمهم لسوريا، قد غربلوا مفاهيم ونظريات ميكافيلي وجيروا الملتبس منها وجعلوها ثوبا مناسبا لمقاسهم، وأعتقدوا جازمين أن باستطاعتهم استخدام العنف والقوة والوسائل الاجرامية التي يريدونها أيا كانت وكيفما كانت، ودون قيد أو شرط لتثبيت حكمهم الاستبدادي المشؤوم على جماجم السوريين ودمائهم.

أما الغاية تبرر الوسيلة فقد وضعها الوارث والموروث نصب أعينهم وتبنوها لتبرير أجرامهم وطغيانهم وفسادهم وفساد عصابتهم الأخلاقي طيلة فترات حكمهم، ورفعوها شعارا عسكريا ديكتاتوريا لإبقاء الشعب السوري تحت نير استبدادهم، وتوريث حكمهم اللاشرعي لسوريا ربما كما تم من المقبور حافظ إلى بشار ثم إلى حافظ الثاني ومنه ربما لبشار وحافط الثاني عشر والسلسلة قد تطول.

اقرأ ايضا: الدكتور المصري محمد حرب رسول الدولة العثمانية ورحلة تعليمية طويلة

اقرأ ايضا: الإجراءات الاقتصادية الجديدة لانعاش الاقتصاد التركي 2022

اقرأ ايضا: مدارس إمام خطيب مراحل دراسية وتأسيسية ذات طابع ديني ساهم في تشكيل المجتمع التركي

فريق التحرير

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.