• 22 مايو 2022
 حرب العقول وخفايا العمليات الاستراتيجية

حرب العقول وخفايا العمليات الاستراتيجية

حرب العقول وخفايا العمليات الاستراتيجية

الكاتب الصحفيمحمد السكني حرب العقول والعمليات الاستراتيجية –  بدأت الحرب وزحف الغزاة وتصدعت الأرض من أزيز القصف وصوت الراجمات والقنابل لم يهدأ، واشتعلت أواصرها من كل حدب وصوب، وأصبح العدو يتربص ويبحث عن فريسة ليصطادها، فالحروب الحديثة سجال وحرب العقول ركيزة أساسية في أي عملية استراتيجية أثناء وقائع الحرب، ودون حرب العقول لا يوجد غزو أو زحف لمكان أو دولة أي كانت، فالحرب العالمية الأولى والثانية، خير مثال وبوتين نمت أضافره في أصقاع الجاسوسية وتتلمذ على أيدي معلميه من الاتحاد السوفيتي الذين خاضوا غمار العقول ضد اعدائهم في الحرب العالمية الثانية.

حرب
العقول وخفايا العمليات الاستراتيجية

فحرب العقول بمعنى أخر هي الجاسوسية والحروب المخابراتية الاستباقية التي تشن من قبل دولة أو تنظيم أو تشكيل عسكري ضد الأعداء ويكون سلاحها العقل، ويتمثل دورها العملياتي في جمع معلومات ميدانية عن الأعداء وتحليلها وتفكيك معلومات التشفير العسكرية، ورصد التهديدات والتحركات والمخاطر، وقصم منتصف ظهرها قبل وقوعها، والتنبؤ بمجريات وقائعها وإيجاد الحلول العملياتية وفق متطلبات المعركة.

حرب العقول وخفايا العمليات الاستراتيجية
حرب العقول وخفايا العمليات الاستراتيجية

فأرى أن حرب العقول هي كشف ما يدور في فضاء الأعداء وعقولهم وتفسير الوعي والفكر العسكري الكامن في أدمغة الأعداء من خطط واستراتيجيات وتحركات، فلكل دولة ملكة استخباراتية خاصة تختلف من دولة إلى أخرى، فأجهزة المخابرات الإسرائيلية متمثلة بالموساد

الإسرائيلي لديها فكرها وطريقتها العملياتية الخاصة، فتسمى وحدة الاستخبارات الإسرائيلية بوحدة حرب العقول.

ولا تخلو حرب عسكرية وعالمية دون الحصول على بنك معلومات أو على تفاصيل دقيقة عن الأعداء، ومنذ أن خلقت البشرية والأعداء كان لديهم حرباً للعقول سواء بزرع العملاء والجواسيس في صفوف العدو أو بتتبع تحركاتهم ومعرفة وفهم أساليبهم وخططهم القتالية وخاصة الهجومية وضرب هذه الخط العسكرية قبل وقوعها.

وترتكز أي عملية عسكرية تقع في إقليم أو دولة على معلومات تفصيلية دقيقة عن العدو، فالجواسيس وعناصر المخابرات لهم دور كبير في جمع المعلومات وتقصي قوة العدو وما يملكه من أسلحة ومعدات وعدة وعدد وعتاد، فمن المهم الحصول على معلومات عن أي عدو قبل شن حرب أو غزو لأي دولة، فالحروب الحديثة تعتمد بشكل كلي على حرب العقول أو حرب الجواسيس وأقبية المخابرات.

وحدات السايبر والأمن المعلوماتي

وتتشكل وحدة حرب العقول في الجيوش النظامية من أسلحة متنوعة ودقيقة وحساسة وأكثر تطوراً، حيث تضم فئات وتخصصات مختلفة ومتباينة مثل الهاكرز ووحدات السايبر والأمن المعلوماتي وخبراء الأسلحة والمتفجرات وعلماء النفس وخبراء البيولوجيا والجرائم والأطباء وخبراء تصنيع الأسلحة وخبراء الذكاء الاصطناعي والسياسيين والفنيين والجواسيس المتمرسين وأقسام الأبحاث وغيرهم من الوحدات والتشكيلات التي تشكل غرف وحدة حرب العقول في الجيوش النظامية.

ومن مهام وحدة حرب العقول ليس فقط جمع المعلومات والتقصي الدقيق للحقائق وكشف قوى العدو بل أيضاً الدعاية والحرب النفسية التي تستهدف الأعداء وشعوبهم تزامناً مع اندلاع الحروب والمعارك، فكلا الطرفين يبدأ بالبحث عن نقاط الضعف التي قام بجمعها عن عدوه ويقوم بتشغيل وحدة الحرب النفسية والتي هي من مهام وحدات حرب العقول والتي تعمل على العامل النفسي طويلة مدة الحرب.

ولا تقتصر حرب العقول على جمع المعلومات بل أيضاً على أرسال الجواسيس المخضرمين وزجهم في أرض المعركة كذلك تجنيد الجواسيس وعناصر المخابرات وتوجيه عمليات خلف خطوط العدو وضرب الوحدات الداخلية وزرع الخوف في أوساط الجيوش والأعداء سواء أكانت عسكرية أو نفسية التي تكون عاملاً حساماً لحسم المعركة قبل بدأها.

اقرأ ايضا: موقف العرب من الغزو الروسي لأوكرانيا | لأي جانب يقف العرب؟

فالحروب الحديثة 99% منها تعتمد على حرب العقول من أجل زعزعة أوساط العدو وبث الرعب في أوساطه، وجمع أكبر قدر من المعلومات اللوجستية والميدانية، ومنذ الحرب العالمية الأولى أصبحت الدول تُشرك عملائها المخضرمين، وتزج بهم في الدول الأخرى للعمل لصالحهم، وفي تلك الحقبة من الزمن في الحرب العالمية الأولى كانت وسائل التجسس وأدوات حرب العقول ليست كما في وقتنا الحالي، بل دخلت أصنافاً جديدة من أصناف الموت وأدوات التجسس والمخابرات المميتة للأعداء والقاتلة لمخططات العدو، وعلى سبيل المثال كان الذكاء الاصطناعي خير مثال على استخدامه في حرب العقول الجاسوسية.

أدوات حرب العقول الحديثة

حرب العقول تتغير معطياتها وأساليبها من دولة إلى أخرى، فإن جهاز المخابرات الروسية ليس مثل جهاز المخابرات الإسرائيلية أو جهاز المخابرات الأمريكية، ليس كجهاز المخابرات التركية، فكل دولة لها معطياتها وأهدافها العسكرية والسياسية والاقتصادية من أجل حماية أمنها القومي، فإن الموساد الإسرائيلي يتسع نفوذه في كافة دول العالم، حيث نفذ عشرات عمليات الاغتيال والتجسس على مستوى العالم حيث يعتمد في حربه الجاسوسية على أدوات متطورة مثل برنامج بيجاسوس المتطور الذي من مهمته اختراق الهواتف النقالة والتجسس عليها.

وتميز الكيان الصهيوني بأدوات حرب العقول الحديثة التي لا زالت من أفضل وسائل التجسس في العالم وكانت سبّاقة في إحداث فروقات بينها وبين الدول الأخرى، حيث يوجد في قسم حرب العقول الإسرائيلية قسم للأبحاث العسكرية الذي يعمل على رصد وتحليل الأهداف المعادية الفردية والمنظمة، والتي تشكل خطرا على أمنه القومي، فهي تضم فئات وتخصصات مختلفة ومتباينة تطرقت لها في السابق.

إذ يوجد في المخابرات الإسرائيلية وداخل وحدة حرب العقول خبراء متخصصون يمكنهم معرفة مصادر تصنيع الأسلحة أو مصادر المواد الأولية لتصنيع هذه الأسلحة، حيث يكون لديهم معلومات كاملة عن نوع السلاح ومدى تأثيره، وكما للكيان الصهيوني بنك معلومات ضخم نجح من خلال العمليات السيبرانية وعملائه في صفوف الحرس الثوري الإيراني من مهاجمة البرنامج النووي الإيراني ومشاريع تطوير الصواريخ الدقيقة طويلة المدى.

حرب العقول وخفايا العمليات الاستراتيجية
حرب العقول وخفايا العمليات الاستراتيجية

 حرب العقول الإسرائيلية الفلسطينية

وكان للكيان الإسرائيلي عمليات نوعية ضمن حرب العقول التي يشنها على المقاومة الفلسطينية في غزة، حيث حاول عشرات المرات ضرب المنظومة الأمنية في قطاع غزة من أجل الوصول إلى أسراه في غزة، ونفذ عمليات أمنية سيبرانية منظمة اتجاه المقاومة، وجيش عملائه وقدراته التقنية الحديثة مثل برنامج بيجاسوس ومراقبة الاتصالات في القطاع.

وواصل الاحتلال الإسرائيلي الليل بالنهار من أجل الوصول إلى معلومات توصلهم إلى جنودهم الأسرى، وكان أخرها العملية الأمنية التي قام بها الموساد في مدينة خانيونس جنوب غزة حيث أرسل أفضل عناصر الموساد لديه من أجل وضع غرفة في أرض فارغة يوجد بها أجهزة إلكترونية، توصله إلى الجنود الأسرى في غزة وإلى كشف منظومة الاتصالات لدى المقاومة وإلى كشف الأنفاق الهجومية التي تهدد الكيان المحتل، فهناك العديد من العمليات التي نفذها الاحتلال الإسرائيلي ضد المقاومة لكن كانت المقاومة له بالمرصاد، حيث يوجد للمقاومة وحدة أمنية عسكرية تعمل على أسس حرب العقول، استطاعت إفشال مخططات العدو ونجحت في كبح جماحه في كافة الميادين.

ولم يكن الموساد الإسرائيلي من اشتهر لوحده في العمليات والحلقات الجاسوسية والمخابراتية بل كانت روسيا تقتدي بسياسة حرب العقول في العمليات الاستراتيجية الفتاكة في ضرب أعدائها في أعقاب الحرب العالمية الأولى والثانية، وحتى الحرب الباردة حيث كان الاتحاد السوفيتي يعد عدته وعقول جواسيسه من أجل قصم ظهر الولايات المتحدة، وبادرت بإرسال العملاء المزدوجين إلى بريطانيا وألمانيا وغيرها من أجل جمع ونقل أكبر كم من المعلومات التي تهم الاتحاد السوفيتي في حرب القطبين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي.

اقرأ ايضا: كم عدد الجنود الروس الذي سقطوا منذ بدء الهجوم على أوكرانيا؟

حرب العقول والغزو الروسي

ولم تكتفي روسيا بعد انتهاء الاتحاد السوفيتي من إعداد وتطوير وتعزيز قدراتها الاستخباراتية بل استمرت حتى يومنا هذا في ظل الغزو الروسي لأوكرانيا الذي كان بمثابة حرب استخباراتية أمنية متمثلة في جمع المعلومات عن الاقتصاد والسياسة والتكنولوجيا والبيئة في المناطق المستهدفة في أوكرانيا، كما وكانت تدعم الانفصاليين الأوكرانيين عبر تنفيذ عمليات اغتيال وإنشاء مخابئ الأسلحة من أجل القيام بهجمات نوعية خلف خطوط الجيش الأوكراني.

وكانت روسيا تعد عدتها منذ سنوات بعد احتلال روسيا شبه جزيرة القرم في عام 2014، فاستخدمت حرب العقول على تنظيم مجموعات مقاتلة وزودتهم بالمعلومات العملياتية والعسكرية والبيانات حول تمركز القوات الأوكرانية في إقليم دونباس ومدينة دوينتسك قبل الغزو الروسي الذي بدء قبل شهر، ويستمر لوقتنا الحالي حيث شنت روسيا هجمات سيبرانية شلت كافة المواقع الإلكترونية الأوكرانية وهاجمت البنك المركزي والمناطق الحيوية والبنية المعلوماتية الحيوية.

واستخدم الجيش الروسي في عملياته العسكرية على أوكرانيا أسلحة تعمل بالذكاء الاصطناعي صممت للعمل في مناطق ذات تضاريس صعبة جداً يتم التحكم عنها عن بعد فمن خلال هذه الأسلحة المتطورة مثل الروبوتات المتطورة القاتلة و أسراب من الطائرات المسيرة والذباب الصناعي الطائر وغيرها من الأسلحة الفتاكة غير المأهولة التي دمجت الأسلحة التقليدية بأنظمة الذكاء الاصطناعي المتطور الذي يمكن من خلاله تحديد الأهداف المعادية وإطلاق النار عليه دون العودة إلى القائد.

حرب العقول وخفايا العمليات الاستراتيجية
حرب العقول وخفايا العمليات الاستراتيجية

مميزات الأسلحة الذكية

ومن مميزات الأسلحة الذكية توفير الوقت والجهد وتخفيف حجم الخسائر في الجيش، مقابل الإثخان بالأعداء، لذلك كانت هذه الأسلحة الواعدة أحد أدوات حرب العقول الفتاكة التي تعمل عليها الدول، وما يميز المخابرات الروسية بأنها لا تكتفي بجمع المعلومات فقط عن العدو، بل أضافت إليها معلومات عن الإقتصاد والسياسة والتكنولوجيا والطب والبيولوجيا وغيرها.

وحسب تقارير غربية بأن الاستخبارات العسكرية الروسية تمتلك 5 مراكز فعّالة قبالة أوروبا وهي؛ المركز رقم 73 في مدينة سان بطرسبورغ، و رقم 264 في كالينينغراد، ورقم 74 في سمولينسك، والمركز 269 في موسكو، ومركز رقم 1194 في مورمانسك.

 وكان من ضمن مهام هذه المراكز المخابراتية هي إعداد ودعم العمليات العسكرية الروسية في الخارج باستخدام المعلومات التشغيلية والتكتيكية التي يتم جمعها عن الدول المستهدفة وفق خطط مدروسة وموضوعة مسبقاً، وبفضل هذه المعلومات يتم تصور الوضع وانتشار القوات المسلحة في البلد المستهدف، خاصة تلك المتعلقة بحضور الناتو (حلف شمال الأطلسي)”.

اقرأ ايضا: إعلان قائمة الدول المعادية لروسيا.. تعرف عليها

اقرأ ايضا: الجيش العثماني يسحق الإنجليز في غزة ويحررها..أبرز ما حدث في مثل هذا اليوم

لذلك تجلت حرب العقول كركيزة أساسية في الجيوش النظامية وغير النظامية وفي العمليات الاستراتيجية في البر والبحر والجو، وكانت أدمغة المخابرات بمثابة العمق الحيوي والتكتيكي قبل شن أي معركة وقبل تنفيذ أي عملية عسكرية، أو في بعض الأحيان تكون حرب العقول من أجل تحقيق أهداف سياسية واقتصادية وعسكرية ومن أبرزها ضرب العدو في مقتل، من خلال اغتيال العلماء النوويين وأصحاب الصناعات العسكرية الدفاعية، فالمعارك تتطور وتتقدم مع تطور آلية عمل حرب العقول.

فريق التحرير

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.