روائع من التاريخ العثماني 13 .. السلطان ودهاء المهرج

 روائع من التاريخ العثماني 13 .. السلطان ودهاء المهرج

روائع من التاريخ العثماني 13 .. السلطان ودهاء المهرج – مائة كاهن وقسيس إلى بورصة؟ وماذا يفعل هؤلاء الكهان والقساوسة في بلد المسلمين؟ – سيقومون بأداء وظيفة القضاء فيه يا مولاي. – هل جننت؟ کهّان وقساوسة في منصب القضاء؟ ألا يوجد لدينا قضاه؟ – لن يبقى هناك قاض بهمّتكم يا مولاي وبجهودكم … لقد قررتم حرق القضاة؛ لذا كي لا تتعطل أمور الأمة وقضاياها فقد فكّرت في استقدام بعض القساوسة للنظر في شكاوى الناس في المحاكم وحل مشاكلهم، فهم أيضاً علماء على نحو ما. ابتسم السلطان من كلام المهرج … أحسّ بثقل العقاب الذي كان ينوي إيقاعه بالقضاة، ثم قال: – حسناً … حسناً … لقد تراجعت عن قراري … لعلي أفرطت في هذا الموضوع … وقال للوزراء الذين أرسلوك إلى أن يطمئنوا. ثم اكتفى السلطان بعقاب مناسب للمنحرفين من القضاة.

مع قصة جديدة وعبرة جديدة في سلسلة روائع من التاريخ العثماني .. وقعت أحداث هذه القصة في سنة ۱۳۹۳م، أي عندما كانت الدولة العثمانية في دور الفتوة والقوة، وفي دور الصمود والتألق.

والسلطان هو السلطان الشاب “بایزید” الملقب بـ “الصاعقة” للشجاعة التي كان يبديها في القتال منذ أن كان وليا للعهد.

كان من عادة هذا السلطان سماع شكاوى الناس في البلد الذي يمر منه وهو خارج من عاصمته “بورصة” للغزو، أو وهو راجع إليها. وكان يعقد لذلك مجلساً شعبياً كان يدعى آنذاك “آياق ديواني” “Ayak Divanı”.

في أحد هذه المجالس الشعبية تقدمت منه امرأة عجوز وهي تصرخ وتطالب بحقها … دعاها إليه وطلب منها الإفصاح عن مشكلتها فقالت المرأة:

– يا سيدي السلطان! … إن أحد خدمكم من الذين تركتم حبله على غاربه قد اعتدى علي.

– ماذا فعل؟ … هيا اذكري ولا تخافي.

– لقد جاء وشرب حليبي دون إذن مني، وعندما طالبته بثمنه صرخ في وجهي وشتمني … ذهبت إلى السيد إمام المسجد وأخبرته بالأمر، فاستطاع بمعاونة بعض الأهالي من القبض عليه وسوقه إلى السيد القاضي، ولكن القاضي يا سيدي السلطان أصدر حكماً لصالحه وأطلق سراحه … إنني مظلومة يا سيدي السلطان وأطالب بحقي.

أرسل السلطان من يبحث عن هذا الرجل ويجلبه له حالاً.

مثُل الرجل أمام السلطان وهو يرتعد من الخوف.

اقرأ أيضاً: روائع من التاريخ العثماني 10 .. فتح جزيرة قبرص على يد العثمانيين

سأله السلطان:

– هل فعلت كذا وكذا؟

قال الرجل المرتعب وهو يتوسل:

– اصفح عني يا مولاي … لقد أغواني الشيطان … سأدفع لها ما تطلبه … أقسم بالله بأنني لن أعود لمثله أبداً.

إذن فالتهمة ثابتة، وسيلقي الرجل جزاءه وتنتهي المسألة عند هذا الحد! ولكن لا.

فالقضية عند السلطان كانت أكبر من هذا بكثير … القضية المهمة عنده هي كيف أن قاضي يقوم بإصدار قرار العفو في تهمة واضحة وثابتة ولها شهود عيان … كيف؟ … هل أخذ رشوة؟

ألقى السلطان نظرة طويلة على الرجل الذي كاد أن يذوب امامه، ثم سأله:

هل دفعت رشوة للقاضي؟

أجاب الرجل وهو منكس الرأس:

– لا والله يا مولاي … لم أعطه رشوة … ولكني قلت له: إني في خدمة السلطان فعفى عني وأطلق سراحي.

قال السلطان وهو يحاول كظم غضبه:

– إن الله تعالى لا يصفح عمن يعتدي على حقوق الناس، ولا يتوب عليه، فكيف إذاً يقوم هذا القاضي بإصدار حكم العفو عمّن هضم حقوق الأخرين … اذهبوا واجلبوا لي هذا القاضي؟!

وبينما هرع بعض رجال السلطان لتنفيذ أمره التفت السلطان إلى رئيس حرسه وقال له:

– اجمع رجالك واطرق باب كل بيت في المدينة، واكتب اسم كل من له شكوى ضد القضاة أو ضد المحاكم، ثم تعال وأخبرني … يجب أن نعيد العدل – الذي هو أساس الملك – إلى مجراه من جديد.

أتم رئيس الحراس مهمته بعد بضعة أيام، ثم قدّم قائمة الأسماء إلى السلطان.

ما إن القى السلطان نظرة على قائمة الأسماء حتى أطلق آهة عميقة … لقد رأی مدى كثرة الأسماء … تمتم هامساً:

– معنى هذا أننا قد اقتربنا من نهايتنا.

ما إن رجع إلى عاصمته “بورصة” حتى أرسل الفرمان الآتي إلى جميع أمراء وحكّام الأقاليم:

روائع من التاريخ العثماني

مدينة بورصة - روائع من التاريخ العثماني 13 .. السلطان ودهاء المهرج
مدينة بورصة – روائع من التاريخ العثماني 13 .. السلطان ودهاء المهرج

(قررنا الطلب منكم إرسال كل قاض في قريتكم أو مدينتكم أو قلعتكم شاع عنه مخالفته للشرع الشريف في أحكامه، أو شاع عنه أخذه الرشوة إلى العاصمة حالاً).

كان الصدر الأعظم (أي رئيس الوزراء بالتعبير الحالي)؛ “جاندرلي باشا” قلقاً من غضب السلطان في هذا الموضوع؛ لذا لم يملك نفسه من سؤال السلطان عن العقوبة التي ينوي إيقاعها بهؤلاء القضاة.

Adv

قال السلطان الشاب:

– إن غياب العدل إشارة إلى زوال الدولة، وانا أنوي أن أضع هؤلاء القضاة – الذين أصبحوا عاملاً من عوامل النخر في الدولة – في بيت ثم أشعل النار فيه.

نزل الجواب نزول الصاعقة على رأس الصدر الأعظم؛ لأنه كان عقاباً مخيفاً، وعندما سمع الوزراء الآخرون هذا النبأ فزعوا، ولكن لم يكن في مقدور أي شخص معارضة السلطان المعروف بشدته.

كان هناك شخص واحد فقط يستطيع مخاطبة السلطان في مثل هذه الأحوال … ألا وهو مهرج السلطان، لقد كان ماهر في اسلوبه عند مخاطبة السلطان، ويعرف جيداً كيف ينقل إليه بعض وجهات النظر في قالب من الفكاهة.

استدعى الصدر الأعظم مهرج السلطان إليه وشرح له الموضوع.

قال المهرّج:

– لا تقلق يا باشا … هذا الموضوع هيّن.

اقرأ أيضاً: روائع من التاريخ العثماني 12 .. القصة الغريبة لجامع كأني أكلت

في اليوم الثاني لبس المهرج ملابس السفر ودخل على السلطان الذي ابتسم وهو يرى مهرّجه في ملابس السفر … قال له:

– ما هذا؟ انت عازم على السفر؟

– أجل أيها السلطان … وقد حضرت إليكم لأطلب الإذن منكم لي بالسفر يا مولاي.

– وإلى أين ستسافر؟

– إلى بيزنطة يا مولاي.

– وماذا ستفعل هناك؟

– أنا ذاهب إلى بيزنطة لكي اجلب مائة كاهن وقسيس إلى مدينة بورصة.

روائع من التاريخ العثماني

روائع من التاريخ العثماني 13 .. السلطان ودهاء المهرج
روائع من التاريخ العثماني 13 .. السلطان ودهاء المهرج

قطّب السلطان جبينه … وقال:

– مائة كاهن وقسيس إلى بورصة؟ وماذا يفعل هؤلاء الكهان والقساوسة في بلد المسلمين؟

– سيقومون بأداء وظيفة القضاء فيه يا مولاي.

– هل جننت؟ کهّان وقساوسة في منصب القضاء؟ ألا يوجد لدينا قضاه؟

– لن يبقى هناك قاض بهمّتكم يا مولاي وبجهودكم … لقد قررتم حرق القضاة؛ لذا كي لا تتعطل أمور الأمة وقضاياها فقد فكّرت في استقدام بعض القساوسة للنظر في شكاوى الناس في المحاكم وحل مشاكلهم، فهم أيضاً علماء على نحو ما.

ابتسم السلطان من كلام المهرج … أحسّ بثقل العقاب الذي كان ينوي إيقاعه بالقضاة، ثم قال:

– حسناً … حسناً … لقد تراجعت عن قراري … لعلي أفرطت في هذا الموضوع … وقال للوزراء الذين أرسلوك إلى أن يطمئنوا.

ثم اكتفى السلطان بعقاب مناسب للمنحرفين من القضاة.

المصدر: كتاب روائع من التاريخ العثماني – للمؤلف: أورخان محمد علي

اقرأ أيضاً قصص عن السلطان بايزيد الصاعقة:

روائع من التاريخ العثماني 3 .. السلطان الصاعقة سلطان الحق والصلاحية

روائع من التاريخ العثماني 2 .. السلطان الذي طلب الشهادة فنالها

للاطلاع على كامل سلسلة روائع من التاريخ العثماني.. على الرابط هنا

مشاركة الخبر

فريق التحرير

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.