روائع من التاريخ العثماني 14 .. عندما بكت ازمير دماً

 روائع من التاريخ العثماني 14 .. عندما بكت ازمير دماً

روائع من التاريخ العثماني 14 .. عندما بكت ازمير دماً

نصل مع حضراتكم إلى قصة جديدة من قصص سلسلة روائع من التاريخ العثماني نستعرض فيها الأحداث التي شكلت نقلة نوعية في تاريخ الدولة العثمانية 

حدث ذلك في مدينة ازمير في شهر مايو / أيار من عام 1919م، كانت الدولة العثمانية قد خرجت خاسرة من الحرب العالمية الأولى ومنهوكة القوى بعد أن فقدت فيها الملايين من خيرة شبابها… هذه الحرب التي لم تكن الدولة العثمانية مستعدة لها لا من الناحية الاقتصادية ولا من الناحية العسكرية، بل دفعتها إليها حماقة جمعية الاتحاد والترقي وخيانتها… هذه الجمعية المشبوهة التي تربت في المحافل الماسونية ثم أصبحت تحت نفوذ الدول الألمانية، فدخلت الحرب إلى جانبها دون أن تكون لها أي مصلحة من الدخول إلى أتون هذه الحرب الرهيبة.

بعد تراجع الجيوش العثمانية بدأت جيوش الحلفاء بالاستيلاء على المدن التركية المهمة … من هذه المدن كانت مدينة (أزمير) وكان نصيبها دخول الجيش اليوناني إليها واحتلاله لها.

بعد هذا الاحتلال طالبت اليونان بإلحاق مدينة أزمير والمناطق المحيطة بها إليها، وفعلاً تم قبول طلب اليونان ونص على ذلك معاهدة “سيفر” المشهورة التي تم التوقيع عليها عام 1920م.

ولكن معاهدة سيفر لم تطبق، ولا نستطيع هنا إيراد تفاصيل ذلك، بل نرجع إلى أحداث هذه القصة التي وقعت عشية دخول القوات اليونانية إلى أزمير.

في يوم 14 / 5 / 1919م وقبل الغروب بقليل ارتفع صراخ من أحد الأحياء التركية في مدينة أزمير:

إنهم قادمون…. اليونانيون قادمون …. عليهم لعنة الله.

روائع من التاريخ العثماني

جامع حصار - روائع من التاريخ العثماني
جامع حصار – روائع من التاريخ العثماني

بدت طلائع الجيش اليوناني على بعد عدة كيلو مترات وهي تتقدم نحو المدينة … سيعسكر الجيش اليوناني بالقرب من المدينة ثم يدخلها في صباح اليوم الثاني.

وانتشر الخبر في المدينة انتشار النار في الهشيم.

نزل الخبر في الأحياء التركية نزول نصل خنجر حاد في القلب…

اقرأ أيضاً: روائع من التاريخ العثماني 13 .. السلطان ودهاء المهرج

كانت كل أسرة فيها تبكي على شهيد لها … على ابن أو على زوج او على أب استشهد في جبهات بعيدة فوق رمال لاهبة، أو فوق جبال باردة… والآن ها هم الاعداء يقتحمون عليهم مدينتهم، والله وحده هو الذي يعلم أي دماء جديدة ستسيل تحت أحذية جنود الاعداء.

اما أحياء الروم، أي أحياء اليونانيين القاطنين في أزمير منذ مئات السنوات؛ فقد عم فيها الفرح والحبور… أجل كان هذا هو رد الجميل عندهم … لقد عاشوا مئات الأعوام في أمن وفي طمأنينة في ظل الدولة العثمانية… لم يتعرض أحد إلى عقيدتهم أو دينهم… أُعفوا من الخدمة العسكرية فتفرغوا للتجارة، وأصبحوا من أغنى الطوائف … تركت لهم حرية التعامل بقوانينهم في الزواج والإرث.. إلخ.

بعد كل هذا الإحسان إليهم ها هم يردون إلى الدولة العثمانية وإلى الشعب الذي آواهم جميلهم … ها هم يفرحون ويستعدون للاحتفال بقدوم الغزاة المحتلين.

اخرجوا الأعلام اليونانية التي كانوا قد خبؤوها في صناديقهم… واخرجوا أجمل ملابسهم، لأن يوم غد يوم عيد لهم … عيد استقبال الجنود اليونانيين.

ولكن كان هناك تهيؤ أخر أيضاً.

بعد أن أرخى الليل سدوله أجتمع نفر من شباب ازمير بعيداً عن الأنظار في مقبرة اليهود يتباحثون في هذه المصيبة الجديدة القادمة… وكان من بينهم الصحفي الشاب “حسن تحسين” الذي ألقى عليهم كلمة مؤثرة والدمع يسيل من عينيه. قال في الأخير:

– يا إخواني… إنهم يريدون إلحاق منطقة أزمير باليونان … لن نعطي ازمير لهم … سنقاتل يا إخواني ولن نستسلم لهم أبداً.

– أجل سنقاتل ولن نستسلم لهم.

في صباح اليوم الثاني دخل الجيش اليوناني مدينة ازمير من ناحية “كوردون بويو” المطلة على البحر، كانت الأقلية اليونانية قد اصطفت على جانبي الطريق، وقد رفعوا الأعلام اليونانية… كانت الفتيات الشابات والأطفال قد لبسوا ملابس عليها العلم اليوناني، وكانوا يلوحون بالأعلام اليونانية لجنود الاحتلال ويهتفون بكل فرح:

زيتو فانيزالوس…  زيتو فانيزالوس (أي يحيا فانيزالوس رئيس وزراء اليونان آنذاك).

روائع من التاريخ العثماني

كوردون بويو - روائع من التاريخ العثماني
كوردون بويو – روائع من التاريخ العثماني

اقرأ ايضاً: روائع من التاريخ العثماني 12 .. القصة الغريبة لجامع كأني أكلت

كان على رأس هؤلاء المستقبلين الأسقف “خريستوس توموس” أعلى رجل دين مسيحي رتبة في مدينة ازمير، وثاني رجل دين مسيحي في الدولة العثمانية، أي يأتي مباشرة بعد “البطريك” الموجود في إسطنبول.

استمر جنود الاحتلال في مسيرتهم وسط هذه الهتافات وهذه الحفاوة حتى وصلوا إلى موقف “الترامواي” في منطقة “قوقار يالي”… وفجأة انطلق من بين الجموع الحاشدة شاب كالسهم وصوب مسدسه إلى الجندي اليوناني الحامل للعلم اليوناني في مقدمة الجيش وأطلق عليه رصاصة واحدة فأرداه قتيلاً ثم ولى هارباً.

كان هذا هو الصحفي الشاب (حسين تحسين) ما أن تخلص الجنود اليونانيون من تأثير المفاجأة حتى هرع المئات منهم وراء الشاب، ثم طوقوا المنطقة وبدأوا يضيقون الخناق عليه.

Adv

وأخيراً حاصروه في أحد الازقة الضيقة … أطلق عليهم الرصاص وقاومهم حتى انتهى رصاص مسدسه، فانهال عليه وابل من رصاص الجنود.

كانت هناك امرأة مسنة تشاهد من نافذة غرفتها ما يجري أمامها، فقد كان الصحفي الشاب واقفاً قرب نافذتها … وعندما انهال الرصاص على الشاب الفدائي شهقت المرآة وبكت… سمعها الشاب حسن فحوّل بصره إليها وشاهدها وهي تبكي من أجله فقال لها وهو يتهاوى على الارض:

– لقد نفذ الرصاص مني يا جدتي … كوني شاهدة لي يوم القيامة.

لم يكتف الجنود بمئات الطلقات التي مزقت جسد الشاب، بل تقدموا إليه وأخذوا يطعنونه بحرابهم حتى شفوا غليلهم منه.

كان هذا الصحفي الشاب أول شهيد سجله التاريخ في اليوم الأول من دخول اليونانيين إلى ازمير.

رجع الجنود وبدؤوا ينتقمون من أهل المدينة … ذهبوا إلى الدائرة العسكرية وأخرجوا رئيسها العميد “سلیمان فتحي” إلى باحة الدائرة.

– هيا اهتف بحياة فانیزالوس … قل: يحيا فانیزالوس … هيا بسرعة.

كان هذا العميد شخصاً أعزل امام ضباط وجنود اليونان، ومع ذلك لم يتردد كثيراً … بصق على الأرض باحتقار وهتف:

– بل ليسقط فانيزالوس.

وبطعنة من حربة بندقية اخترقت صدره انطرح العميد على الأرض شهیداً.

اقرأ أيضاً: روائع من التاريخ العثماني 11 .. فراسة السلطان مراد الرابع

ثم جاؤوا بالطبيب العسكري العقيد “شكري بك” وطلبوا منه الشيء نفسه :

– هيا اهتف بحياة فانیزالوس.

نظر إلى آمره الشهيد وهو متمدد على الأرض في بركة من الدماء … كان يعلم أن مصيره سيكون مثل مصير آمره إن لم يجبهم إلى طلبهم، وجال في خاطره عائلته وأسرته، ولكنه لم يستطع الهتاف بحياة رئيس وزراء عدوه.

– ليسقط فانیزالوس.

وبطعنة من حربة على قلبه سقط الطبيب العقيد “شكري بك” شهيداً بجانب العميد الشهيد “سليمان فتحي”.

كانت هذه أهم أحداث اليوم الأول من الاحتلال اليوناني لمدينة أزمير.

ولكن الأيام التالية له حملت مآسي أخرى كثيرة … أكثر بكثير من اليوم الأول … إذ حدثت مذبحة أزمير الشهيرة التي تناقلتها الصحف العالمية آنذاك، ولم تجد الحكومة العثمانية المغلوبة على أمرها أمامها إلا تقديم احتجاج لدى المحافل الدولية.

ولكن هذه المآسي والمذابح والوحشية لم تستطع إيقاف حركة المقاومة وحركة الفدائيين، بل زادت هذه المقاومة وانتشرت.

وبدأت حرب الاستقلال.

وأخيراً التقى الجيش التركي في موقعة فاصلة بالجيش اليوناني وهزمه شر هزيمة، وطارد فلوله المهزومة حتى البحر.

وفي 9/9/1922م دخل الجيش التركي مدينة أزمير تحت قيادة “نور الدين باشا” وتحررت المدينة.

المصدر: روائع من التاريخ العثماني – للمؤلف أورخان محمد علي

للاطلاع على كامل سلسلة روائع من التاريخ العثماني.. على الرابط هنا

مشاركة الخبر

فريق التحرير

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.