روائع من التاريخ العثماني (2) .. السلطان الذي طلب الشهادة فنالها

 روائع من التاريخ العثماني (2) .. السلطان الذي طلب الشهادة فنالها

روائع من التاريخ العثماني (2) .. السلطان الذي طلب الشهادة فنالها

إعلان

مع استقراء حياة دولة عظيمة مثل الدولة العثمانية نجد المزيد من القصص والأحداث التي تصنف كروائع من التاريخ العثماني، حيث ساهمت الأحداث والمواقف بتشكيل أمجاد امبراطورية حكمت حدود الأرض في يوم من الأيام.

وما نزال مستمرين بتقديمنا لكم سلسلة روائع من التاريخ العثماني التي نجمع فيها قصص وأحداث تستحق النظر والتدبر علها تكون خير معين لإعادة أمجاد الأمة الإسلامية من جديد.

Ad.

روائع من التاريخ العثماني (2) .. السلطان الذي طلب الشهادة فنالها

كان السلطان “مراد الأول” (1326 – 1388م) سلطاناً غازياً، صرف سنوات حكمه الطويل (30 سنة) في الفتوحات، ووسع مملكته التي كانت مساحتها عند استلامه الحكم تبلغ 100 ألف كيلو متر مربع تقريباً إلى مملكة مساحتها 400 ألف كيلو متر مربع، أي وسعها أربعة أضعاف، لذا يعد أول امبراطور أو أول سلطان في الدولة العثمانية، إذ أن والده “أورخان”، وجدّه “عثمان” كانا يلقبان بلقب “بك”.

Ad

ولما كانت معظم فتوحات هذا السلطان في قارة أوروبا، فقد اجتاحت الدول الأوروبية موجة من الخوف من هذه القوة المتعاظمة لهذه الدولة الفتية، فعقدت بلغاريا والصرب وبولندا والمجر حِلفاً بينهم، وهيأوا جيشاً مشتركاً ضخماً، وضعوه تحت قيادة ملك المجر “لايوش” لإخراج المسلمين من قارة أوروبا، وإبعادهم عنها.

كان السلطان “مراد” في “بورصة” عاصمة مملكته مع معظم جيشه، ولكن أحد قواده وهو “حاجي إل بَيْ”، الذي كان على رأس جيش قوامه عشرة آلاف جندي قريباً من الجيش الصليبي المتقدم نحو حدود الدولة العثمانية، فتوجه إليه ولاقاه في الطريق.

روائع من التاريخ العثماني

روائع من التاريخ العثماني (2) - مدينة بورصة التركية
روائع من التاريخ العثماني (2) – مدينة بورصة التركية

كان الجيش الصليبي أضعاف الجيش العثماني، ولكنه لم يكن يتوقع هجوماً عليه، إذ لم يكن على علم بوجود جيش عثماني صغير بالقرب منه؛ لذا فقد استفاد القائد العثماني من عنصر المفاجأة، وهجم على معسكر الجيش الصليبي هجوماً صاعقاً، فشتتهم ودحَرهم.

نزل خبر انتصار المسلمين في هذه المعركة نزول الصاعقة على أوروبا، وتبخرت آمالهم في التخلص من العثمانيين بسهولة، ولكن البابا “أريان الخامس” دعا كل دول أوروبا لإعداد حملة صليبية أضخم وأكبر، لتحقيق دفع المسلمين من قارة أوروبا.

لكن الخوف والرعب السائد في أوروبا عقب هذه المعركة كان كبيراً، إلى درجة أنه لم يستجب أي ملك من ملوك أوروبا لهذا النداء.

ولكن العثمانيين استمروا في فتوحاتهم في “مقدونيا” فزادت المخاوف هناك، واضطر “لازار كرابلينو فيج” ملك الصرب إلى توقيع معاهدة مع السلطان يدفع بموجبها ضريبة سنوية كبيرة للدولة العثمانية، كما دخل “شيشمان” ملك البلغار تحت حماية الدولة العثمانية وأهدى أخته “ماريا” للسلطان، ولكنه ندم بعد ذلك على هذا، وقال: “لقد خنت دماء المسيحيين التي أريقت كالسيل”، لذا لم يتردد في الدخول إلى حلف سري ضد الدولة العثمانية؛ هذا الحلف الذي أنشأه “لازار” ملك الصرب وانضم إليه “توارتكو الأول” ملك “بوسنة” أيضاً، ثم توسع هذا الحلف فدخل فيه الألبانيون، والبولنديون، والبوشناق.

اقرأ أيضاً: مسلسل بربروس الحلقة 1 مترجمة على قناة تي ار تي التركيةوموعد عرض مسلسل بربروس

وجمعوا جيشاً ضخماً، وضعوه تحت قيادة “لازار”، كان هذا الجيش ضخماً إلى درجة ساد فيها شعار (لو أن السماء وقعت لتلقيناها بأسنة حرابنا) بين جنود هذا الجيش اللحب.

وبعد مفاوضات فاشلة تهيأ الجيشان للمعركة في ميدان “قوصوه” ونظراً لأن الجيش الصليبي سبق الجيش العثماني في الوصول الى هذا الميدان، فإنه احتل أفضل التلال المشرفة على الميدان، وحقق بذلك نقطة إيجابية لصالحه.

في الليلة التي سبقت المعركة، رفع السلطان “مراد” يديه نحو السماء بدعاء جهري ذكره المؤرخون جاء فيه:

(يارب … بحرمة نبيك الكريم – صلى الله عليه وسلم – وبحرمة الدم الطاهر المسفوك في “كربلاء”، وبحرمة العيون الدامعة خشية منك، وبحرمة الوجوه المتولّهة بعشقك…) واستمر دعائه:

(أعن بنصرك أهل الإسلام، وتجاوز عن أخطائنا يا رب، ولا تشتت المجاهدين في سبيلك بسبب خطايانا، ولا تسود وجوهنا بين الناس، واجعلني فداءً للدين، وارزقني الشهادة يا رب!).

في صباح اليوم التالي، أي في 15 حزيران سنة 1389م التحم الجيشان، وكان السلطان “مراد” وابنه وولي عهده “بايزيد” مع جميع وزرائه، وقوّاده بأيديهم السيوف، يقاتلون جنباً إلى جنب مع الجنود، وقد أبدى ولي العهد – خاصة – شجاعة فائقة في هذه المعركة، فكان ذلك برهاناً على صدق اللقب الذي لُقب به سنة 1386م، وهو لقب “الصاعقة”، إذ كان ينزل كالصاعقة على الأعداء.

اقرأ أيضاً: معركة نيكوبوليس.. الإعصار العثماني الذي غزا أوروبا

روائع من التاريخ العثماني

روائع من التاريخ العثماني (2) - رسم تخيلي لمعركة قوصوه
روائع من التاريخ العثماني (2) – رسم تخيلي لمعركة قوصوه

انتهت معركة “قوصوة” في مساء ذلك اليوم، بانهزام الجيش الصليبي، وبمقتل قائده الملك “لازار” وبانتصار المسلمين انتصاراً ساحقاً، وتعد هذه المعركة إحدى المعارك التاريخية المهمة في تاريخ الحروب.

Ad

وفي صباح اليوم التالي، خرج السلطان تَحّف به معيته من الوزراء والقوّاد، وبدأ يتجول في ميدان المعركة… كانت الجثث من كلا الطرفين تملأ الميدان، وبدأ يتفقد الجرحى ويأمر بنقلهم ومداواتهم، وفي أثناء تفقده هذا تقدم إليه أحد القواد وقال له:

– يا مولاي … هناك بين الجرحى نبيل من نبلاء الصرب يرغب في رؤيتك، لأنه يريد أن يشهر إسلامه بين يديك.

– أين هو؟

– هناك يا مولاي.

وأشار بيده إلى مكان الجريح.

– هيا لنذهب إليه، فنحن لا نستطيع رد طلب شخص يريد إعلان إسلامه.

كان هذا الجريح نبيلاً من نبلاء الصرب اسمه “ميلوش كابيلوفج” وكان جرحه بسيطاً، ولم يكن يرغب في الحقيقة، إلا اغتيال سلطان المسلمين، الذي أوقع الهزيمة القاسية بكل جيوش أوروبا، لذا فقد خبأ خنجراً بين ملابسه.

اقترب السلطان مع معيته إلى موضع هذا الجريح، الذي قام لاستقبال السلطان، ثم تقدم إليه وكأنه يريد تقبيل يديه، وبلمح البصر استل خنجره، وسدد به ضربه قوية إلى صدر السلطان.

تهاوى السلطان “مراد” بين أذرع قادته الذين أخذتهم المفاجأة، ولم يستطع إلا أن يقول كلمته الأخيرة:

– هذا هو قدري… ليكن “بايزيد” في مكاني.

ثم نطق بالشهادتين وجاد بروحه.

وهكذا استجاب الله لدعاء السلطان “مراد” فرزقه الشهادة.

اقرأ أيضاً: روائع من التاريخ العثماني (1) .. عندما دخل المسلمون إلى قارة أوروبا بثمانين مجاهداً 

ورجع الجيش العثماني إلى “بورصة” مع جثة السلطان الشهيد، حيث دفن هناك.

أما ذلك الصربي فقد تناوشته سيوف الجنود بعد اغتيال السلطان وقتل هناك.

كانت هذه قصة في سلسلة روائع من التاريخ العثماني بطولة السلطان الشهيد مراد الأول الذي أخلص في دعائه ونال طلبه بالشهادة، وعلى رغم من أنه ذهب إلى الجريح بحسن نية وبفرحة احتمالية دخول الجريح في الإسلام إلا أن الله اصطفاه في هذه اللحظة. 

المصدر: كتاب روائع من التاريخ العثماني – أورخان محمد علي

اقرأ أيضاً: روائع من التاريخ العثماني 3 .. السلطان الصاعقة سلطان الحق والصلاحية

Ad1

مشاركة الخبر

فريق التحرير

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.