• 19 يناير 2022
 شيخ الأقصى عملاق الثبات وعنوان الإرادة والتحدي

شيخ الأقصى عملاق الثبات وعنوان الإرادة والتحدي

شيخ الأقصى عملاق الثبات وعنوان الإرادة والتحدي

الكاتب الجزائري – حيدرة حمزة يعانق شيخ الأقصى الشيخ رائد صلاح الحرية من جديد، بعد أن قبع في السجون الإسرائيلية 17 شهراً إثر إدانته من قبل محكمة الاحتلال الإسرائيلي بالتحريض على العنف والمقاومة، في الملف الذي يطلق عليه إسم “ملف الثوابت”.

الشيخ رائد صلاح

رائد صلاح، أو شيخ الأقصى كما يُحب أن يسميه رفاقه وأبناء شعبه، اسم ارتبط مباشرة بالمسجد الأقصى المبارك وما يتعرض له من محاولات للتهويد والتقسيم من قبل الاحتلال الإسرائيلي، كما شكل عنواناً للصمود الأسطوري للشعب الفلسطيني في الداخل المحتل، في وجه الاحتلال وجرائمه العُنصرية التي واجهها الشيخ رائد صلاح وإخوانه بحزم وقوة.

اقرأ ايضا: حقوق الإنسان بين النظرية و التطبيق

ولد الشيخ رائد صلاح في نهاية الخمسينات من القرن الماضي في مدينة أم الفحم (مدينة فلسطينية محتلة يطلق عليها أهلها “أم النور”، جميع أهلها مسلمون، وتقع ضمن المثلث الشمالي، شمال فلسطين، أسسها المماليك حوالي عام 1265م )، والتحق في سن مُبكرة بالحركة الإسلامية في الداخل الفلسطيني المحتل، (انشقت الحركة الإسلامية إلي الجناح الشمالي الذي يرأسه الشيخ رائد صلاح، والجناح الجنوبي عام 1996م بعد قرار بعض قادتها الدخول في الانتخابات الإسرائيلية “الكنيست” وهو ما يرفضه الشيخ صلاح، وقد تعرضت الحركة الإسلامية الجناح الشمالي للحظر بقرار من المحكمة الإسرائيلية في 17 نوفمبر 2015، وأغلقت عدد من مؤسساتها وجمعياتها الخيرية).

الشيخ صلاح صاحب مشروع وطني وديني وعقائدي الفرق ربّما بينه وبين آخرين أنّه من أكثر المستعدين على دفع ثمن موقفه. هذا الثبات هو الذي نحتاجه اليوم كمجتمع وشعب وخلال مسيرته النضالية في الداخل الفلسطيني انتخب رئيسا لبلدية أم الفحم عام 1989، واستقال من منصبه عام 2001، بعد أن انتخب لفترة 3 ولايات رئاسية ليتفرع للقدس والأقصى.

وكان شيخ الأقصى يوصف على أنه شخصية كاريزمية، لها نفوذها وتأثيرها الكبير في الداخل الفلسطيني على مختلف الشرائح الاجتماعية والتيارات السياسية والحزبية والدينية، بل إن نفوذه تخطى فلسطين التاريخية وكذلك تأثيره، فقد بات الشيخ صلاح مثالا للقائد الوطني في العالمين العربي والإسلامي.

اقرأ ايضا: مظاهرات في تركيا.. نصرة للمسجد الأقصى

ولذلك مثّل شخص الشيخ صلاح تحدّيا مصيريا وسياسيا للمؤسسة الأمنية الإسرائيلية مما أدى لملاحقته، ففرضت عليه الإقامة الجبرية ومنعته من السفر منذ عام 2002 إلى اليوم، وذلك بقرار من وزير الأمن الداخلي الإسرائيلي.

اغتيال الشيخ رائد صلاح

تعرض الشيخ رائد صلاح لمحاولتي اغتيال خلال السنوات الماضية الأولى كانت عام 2000 مع بداية انتفاضة الأقصى حيث أصيب الشيخ بعيار ناري في الرأس، كما أصيب مرة أخرى خلال اقتحام الجيش الإسرائيلي لسفن أسطول الحرية في مايو من العام 2010م، ومنذ الثمانينات من القرن الماضي تعرض الشيخ رائد صلاح للاعتقال مرات عديدة وللإقامة الجبرية والمنع من السفر كان آخرها اعتقاله 9 أشهر قبل إطلاق سراحه في 17 يناير 2017م.

حمل الشيخ صلاح هم قضية القدس إلى خارج فلسطين التاريخية، من أجل التصدي لإفشال مخطط الاحتلال الإسرائيلي تقسيم الأقصى زمانيا ومكانيا، وبناء الهيكل “المزعوم” مكان قبة الصخرة.

مما شكل من خلال قيادته لجمعية الأقصى لرعاية المقدسات الإسلامية، جداراً قوياً في الدفاع عن المسجد الأقصى المبارك، وارتبط اسمه بالمسجد بعد كشفه لأخطر الحفريات الإسرائيلية أسفل أساسات المسجد الأقصى المبارك، وما صاحب ذلك من موجة غضب فلسطيني عرفت بهبة النفق عام 1996م والتي استشهد فيها نحو 63 فلسطيني، واستمرت جهود الشيخ رائد صلاح في الدفاع عن المسجد الأقصى في كل المحافل الدولية والإعلامية، وهو ما شكل عثرة في وجه المشروع الإسرائيلي.

Adv

لم يتوقف جهد الشيخ رائد صلاح على الجانب الإعلامي في دفاعه عن المسجد الأقصى، بل أطلق واحد من أهم المشاريع التي شكلت رافعة وحماية للمسجد الأقصى وهو ما عرف بمشروع “مسيرة البيارق”؛ لتسيير الحافلات إليه من كافة البلدات العربية. ونجح الشيخ رائد صلاح بإعمار المصلى المرواني وفتح بواباته، وإعمار الأقصى القديم وتنظيف ساحاته وإضاءتها، وإقامة وحدات مراحيض ووضوء عند باب حطة والأسباط والمجلس، وعمل على تنظيم حلقات ذكر وقراءة قرآن في مصاطب المسجد الأقصى، وهي ما عُرفت لاحقاً بـ “المرابطين في الأقصى”.

نصرة المسجد الأقصى

كما أن الشيخ رائد صلاح قد ساهم في إنشاء مشروع “صندوق طفل الأقصى” الذي يهدف لدعم مشاريع إعمار المسجد الأقصى، وربط شريحة الأطفال بقضية المسجد الأقصى. وساهم بتنظيم المسابقة العالمية “بيت المقدس في خطر” التي تُجرى سنويًا في رمضان بمشاركة عشرات الآلاف من كافة أرجاء العالم. بالإضافة إلى مسابقة “الأقصى العلمية الثقافية” وغيرها. ساعد الشيخ رائد صلاح بإصدار العديد من الأفلام الوثائقية عن المسجد الأقصى.

اقرأ ايضا: الأحزاب السياسة التركية تترك خلافاتها وراء ظهرها وتتوحد لنصرة الأقصى

خمسة عقود والشيخ رائد صلاح يقود جهود الدفاع عن فلسطينيي الداخل المحتل، ويحمل لواء المسجد الأقصى المبارك، رغم تخاذل القريب وتآمر البعيد، وبين الاعتقال والمطاردة والإقامة الجبرية والحرمان من الصلاة في الأقصى، وصولاً لمحاولات الاغتيال. لم يتوقف الشيخ رائد صلاح عن جهوده الرائدة في خدمة المسجد الأقصى والمقدسات وفضح جرائم الاحتلال الإسرائيلي، ليسجل بذلك اسمه كأيقونة للثورة الفلسطينية في وجه أبشع احتلال عرفه التاريخ المعاصر.

لقد تعامل الشّيخ رائد صلاح مع السّجن مثلما تعامل مع أيّ محطّةٍ مِن محطّات حياته الأخرى. ولم يدع للجوانب الشخصيّة أيّ أفضلية إذا تعارضت مع القضيّة الأساس التي سُجن مِن أجلها، فهو يحمل قضية ومشروعاً ويسعى مِن خلال نشاطه إلى تحقيق هذا المشروع على أرض الواقع حتى لو كان ذلك على حساب حريته الشخصية.

نستطيع القول إنَّ كلّ الملفات والقضايا التي لُفّقت للشيخ رائد صلاح هي ملفات تعسّفية تتعلق بالمشروع الذي يحمله والمفاهيم التي يؤمن بها، وخاصّة تلك التي تتعلق بحقوق الشعب الفلسطيني الذي يرزح تحت الاحتلال ويتعرض للاضطهاد القومي والتطهير العرقي، والمحافظة على المقدسات وخاصّة المسجد الأقصى المبارك.

انتصار شيخ الأقصى

الشيخ رائد صلاح إنسان ذكي وحكيم يدير أموره بخطوات محسوبة، هو ليس لُقمة سائغةً وليس متهوّراً. يوظّف كلّ الأدوات لصالح مشروعه الذي يحمله، وهذا ما بدا واضحاً في سلوكه في كل الملفات التي لفّقتْها السلطات الإسرائيلية له.

من الجدير ذكره أن الشيخ خرج منتصراً مِن كل الملفات والتّهم التي نُسبت إليه، ليس انتصاراً شخصياً، بقدر ما هو انتصار الفكرة والمشروع. وبالرّغم مِن حكم السّجن الذي كان يُفرض عليه، وهو يدرك قساوة السّجن الإسرائيلي ويدرك الثّمن الذي يدفعه مِن حريته وصحّته، إلا أنه يبدي استعداداً مُنقطع النّظير لدفع هذا الثّمن في سبيل الفكرة والمشروع والثوابت والمفاهيم الدينيّة والوطنيّة.

اقرأ ايضا: تركيا تدين بشدة قرار صلاة اليهود في المسجد الأقصى

يمكننا القول جازمين ان شيخ الأقصى يلازمه الإيمان العميق بالله عزّ وجلّ، ومن خلاله نلمس نموذجاً عملياً للإيمان الحقيقي، واليقين الراسخ بسُنن الله في الأرض، ودائما الأمر كلّه إلى الله، ويستعين بكلّ ذلك على مرارة السّجن وقسوة ظروفه و مهما قلنا و كتبنا فلن نوفيه حقه و سيبقى رائدا في سماء الحرية.

ملاحظة: الآراء السياسية أو الفكرية الواردة في المقال تعبر عن كاتبها.

 

مشاركة الخبر

فريق التحرير

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.