يوم البطولات في “إزمير”

 يوم البطولات في “إزمير”

“على اليونان ألا تنسى الصحفي حسن تحسين، فتراب الأناضول فيه الآلاف من أمثال تحسين”.

هذه العبارة جزء من بيان أصدرته جمعية الأناضول للناشرين، ردا على هجوم موقع يوناني متطرف على طاقم وكالة الأناضول الذي زار جزيرة “ميس” للقيام بأنشطة إعلامية قبل شهرين.

ربما أثار هذا البيان تساؤلات الكثيرين: من هو الصحفي حسن تحسين؟ وما هي علاقته باليونان؟.

إنه الصحفي التركي الذي لم يكتف بأن يناضل بقلمه ضد أعداء الدولة العثمانية، لكنه أطلق الرصاصة الأولى على القوات اليونانية المحتلة يوم 15 مايو/أيار 1919م، لقي على إثرها حتفه شهيدًا على أرض “إزمير” في يومٍ تاريخي مشهود، حفل بروائع من النضال العثماني.

البداية كانت بعد تراجع القوات العثمانية عقب خسارة الدولة في الحرب العالمية الأولى، حيث بدأت قوات الحلفاء على إثرها بالاستيلاء على المدن التركية الحيوية وبينها “إزمير”، التي وقع الاختيار على القوات اليونانية لتحتلها.

وعشية دخول القوات اليونانية إلى إزمير، انتشر خبر اقتراب هذه القوات في المدينة انتشار النار في الهشيم، فبعد ساعات ستضاف إلى أحزان الجماهير أحزان أخرى، فما من بيت إلا ودموع أهله على فقيد لهم في الحرب لم تجف.

وفي المقابل، كان السكان اليونانيون – الذين عاشوا في سلام وأمان في ظل الدولة العثمانية فترات طويلة- يبتهجون ويستعدون بالملابس الجديدة والأعلام اليونانية لاستقبال تلك القوات المعتدية.

في تلك الليلة كان نفر من الشباب قد اجتمعوا في مقبرة اليهود، يترأسهم صحفي شاب في الثلاثين من عمره يدعى حسن تحسين، بلغ به التأثر من الأحداث مبلغا عظيما.

وقال تحسين لإخوانه بعيون دامعة: “يا إخواني، إنهم يريدون إلحاق منطقة إزمير باليونان، لن نعطي إزمير لهم، سنقاتل يا إخواني ولن نستسلم لهم أبدا”.

وها هو ذا الصحفي الشاب الذي دأب على الإمساك بالقلم بين أنامله، أمسك مسدسا بيده ليقاتل به المحتلين، لم يكن قائدا عسكريا، ولم يكن له أتباع يقودهم للمقاومة، لم يعرف إلا شيئا واحدا، أنه لابد لروح النضال أن تشتعل، ولو كان الثمن روحه.

في صباح اليوم التالي دخل اليونانيون مدينة إزمير من ناحية “كوردون بويو” وسط هتافات السكان اليونانيين رافعين أعلام الأعداء، هاتفين بحياة إلفثيريوس فانيزالوس رئيس وزراء اليونان آنذاك.

وكان على رأس هؤلاء المستقبلين، الأسقف “خريستوس توموس” أعلى مرجعية دينية مسيحية في إزمير، والثاني على مستوى الدولة العثمانية بعد بطريرك إسطنبول.

Adv

وبينما القوات اليونانية تشق طريقها في شوارع إزمير، انطلق الصحفي حسن تحسين كالسهم، موجها سلاحه الناري إلى الجندي الذي يتقدم صفوف القوات المعادية حاملا العلم، فأرداه قتيلا.

كانت صدمة أربكت الجنود اليونانيين، وما إن أفاقوا منها حتى طفقوا يبحثون عن الشاب الهارب، وقاموا بتطويق المنطقة بأكملها، حتى حاصروه في أحد الأزقة الضيقة، لكنه لم يستسلم.

ظل حسن تحسين يتبادل معهم إطلاق النار في بسالة حتى فرغ مسدسه من الرصاص، وهنا انهالوا على جسده بالرصاص حتى سقط على الأرض.

ومن نافذة بأحد البيوت التي شهدت الواقعة، كانت هناك عجوز تطل على الشاب وهو يلقى حتفه، ففزعت وذرفت دموع الأسى على ذلك الذي يموت في ريعان شبابه، وما إن سمع حسن شهقتها ونحيبها حتى التفت إليها وهو في النزع الأخير.

“لقد نفد الرصاص مني يا جدتي، كوني شاهدة لي يوم القيامة”، كانت هذه آخر كلمات قالها الشاب حسن، قبل أن يفارق الحياة، ولم يكتف الجنود بقتله بالرصاص، بل شرعوا ينهالون عليه بحراب البنادق حتى مزقوا جسده، فكان أول شهيد سقط في إزمير في اليوم الأول للاحتلال اليوناني لهذه البقعة التركية الأصيلة.

لم يقتل حسن تحسين سوى جنديا يونانيا واحدا، لكنه أشعل شرارة المقاومة، وبث روح الكفاح والنضال في النفوس، ولعل أثر ذلك قد وضح على موقف شعب إزمير من ضغط اليونانيين.

فبعد أن قتلوا الشاب حسن، انطلقوا للبطش بأهالي المدينة، وذهبوا إلى الدائرة العسكرية، وأخرجوا رئيسها العميد سليمان فتحي وأمروه أن يهتف بحياة رئيس الوزراء اليوناني فانيزالوس.

ورغم أنه أعزل وسط جنود مدججين بالسلاح، إلا أن العميد فتحي بصق على الأرض قائلا: بل ليسقط فانيزالوس، فطعنوه برماح البنادق حتى أردوه قتيلا.

وعلى الفور جاءوا بالطبيب العسكري العقيد شكري بك، فطلبوا منه أن يهتف بحياة زعيمهم، فنظر شكري بك إلى قائده الغارق في دمائه على الأرض، وهو يعلم أنه إذا امتنع عن إجابة أوامرهم فسوف يتم قتله كسابقه، إلا أنه رفض وقال على مرأى ومسمع منهم: ليسقط فانيزالوس، فلقي نفس المصير ولحق بقائده.

هذا اليوم الأول كان بداية سيل من الدماء التي أريقت من سكان إزمير، حيث تعرضوا بعده لمذبحة بشعة تحدث عنها العالم بأسره، لكنها لم توقف المقاومة والكفاح، بل استمرت حرب الاستقلال حتى كانت المعركة الفاصلة بين الجيشين التركي واليوناني في التاسع من سبتمبر/أيلول 1922م، والتي دخل الجيش التركي على إثرها إزمير منتصرا.

كان ذلك اليوم حافلا بالمواقف البطولية للعثمانيين وهم في أحلك اللحظات وأشد حقب التاريخ وهنا وضعفا، لكن بقيت تلك الروح المناضلة تسطر حقيقة أنها عصية على الاستسلام.

مشاركة الخبر

فريق التحرير

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.