العقيد فايز الأسمر – باحث في القضايا السياسية والأمنية الشرق أوسطية –السعودية تنشط قبيل زيارة بايدن للمنطقة –العلاقة ما بين واشنطن والرياض ربما تكون قد وصلت إلى ما وصلت إليه من فتور لم تشهده طيلة الفترة الطويلة الماضية من تاريخ علاقتهما التي تمتد لأكثر من ثمانون عاما، وربما عنق الزجاجة التي تمر علاقتهما ببعضهما اليوم يجعلها تكاد تصل إلى الحد الذي وصلت إليه علاقة المتنبي بأعدائه عندما قال: ومن نكد الدنيا على الحر أن يرى عدوا ما من صداقته بدُّ.
زيارة بايدن للمنطقة
ولذلك فإن علاقة واشنطن بالرياض لن تكون شاذة عن مجمل العلاقات التي تحكم واشنطن بباقي الدول، ولا سيما إذا حُكمت وبُنيت هذه العلاقة على المصالح بالدرجة الأولى، ففي عالم السياسة ليس ثمة صداقات وعداوات دائمة، فهذه بطبيعتها متحركة بعرف الساسة، أما الدائم والثابت فهي المصالح الإستراتيجية التي تعتبر البوصلة التي تحكم وتتحكم بعلاقات الدول.
لعل العلاقة بين واشنطن بالرياض خصوصا تكون النموذج الصارخ والمثالي لعلاقة المصالح التي تنتهجها الدول، خاصة الولايات المتحدة التي ترى أن مصالحها تأتي في الأول والثاني والثالث، وعموما فقد تنتهج الدول بروبوغندا إعلامية تُقدّم فيها وتؤخر، وتزيد من تعاطي الإعلام لقضية ما لتجعلها من أولوياتها، ولكن في اللحظة التي تصطدم مصالحها مع ما كانت تدعيه وتنادي به تجاه بعض المسائل حتى تنحاز لمصلحتها دون أي اعتبار لما كانت تنادي وتصرح وتصرخ به إعلاميا لسنوات.
رأينا ما وصلت إليه علاقة واشنطن بالرياض عقب قضية مقتل الخاشقجي، ورأينا كيف قامت واشنطن باستثمار ما حدث إستثمارا لا نظير له، فقد جعلت _أي واشنطن_ من قضية الخاشقجي القضية الأولى التي تناولتها مع كيناتها الإعلامية مطولا، لا بل جعلت من هذه القضية أحد المحاور التي قامت عليها الحملة الإنتخابية الرئاسية للرئيس جو بايدن، الذي تعهد بأن يجعل من السعودية دولة منبوذة، وأنه سيعمل على تحقيق هذا الأمر، وعليه فقد أصدرت المخابرات الأمريكية المركزية في وقت سابق تقريرا يتهم فيه ولي العهد السعودي شخصيا وبأنه يقف شخصيا خلف تدبير قتل الكاتب الصحفي جمال خاشقجي في قنصلية بلاده باسطنبول، وقامت باصدار “قانون خاشقجي” الذي لا حق شخصيات سعودية، وصل عددهم إلى ثمانين شخصية تتهمهم واشنطن أن لهم يدا في عملية القتل تلك.
الملاحظ في هذه الأوقات بالذات أن الولايات المتحدة الأمريكية بدأت تشعر بخطورة السياسة التي باتت تنتهجها مع الرياض، وبدأت ربما تذوق وبالها مع بداية الغزو الروسي لأوكرانيا، سياسة بدأت تضر بمصالحها القريبة منها والبعيدة مع مصالح حلفائها الغربيين في الناتو وغير الناتو، ولا سيما مع دعوة واشنطن حلفائها للبحث عن مصادر جديدة للطاقة، بدل النفط والغاز الروسيين، وضمن جملة من العقوبات المالية والإقتصادية والعسكرية، التي انتهجتها واشنطن والغرب كنوع من أنواع الضغط على روسيا لتراجع حساباتها وقراراتها في الملف الأوكراني.
طبعا السلاح الذي دعت إليه واشنطن وعمل الغرب على تطبيقه بمقاطعة النفط والغاز الروسي، كان سلاحا ذو حدين، وذلك بالنظر إلى أن موسكو تعتبر الشريان الرئيسي لتمويل الغرب بهاتين المادتين التي لا يمكن الإستغناء عنهما في ليلة وضحاها،الأمر الذي جعل أسعار النفط تقفز إلى مستويات غير مسبوقة، فقد وصل سعر چالون النفط في أمريكا لأكثر من خمسة دولارات، الأمر الذي جعل واشنطن تلجأ إلى الإحتياط النفطي، من هنا وتحت الضغط فإن الإدارة الأمريكية ومع بداية الغزو الروسي لأوكرانيا، بدأت بالإتصال بولي العهد السعودي، وذلك للطلب من السعودية زيادة حصتها النفطية لكبح جماح سعر النفط، بيد أن ولي العهد السعودي لم يبدِ أي استعداد لهذا، وبررت الرياض ذلك بأنه لا يمكنها زيادة حصتها لدى أوبك ومجموعة الدول المنتجة للنفط التي يأتي على رأسها روسيا.
عجلة المصالح تدور في اتجاهين
في الأيام القليلة الماضية تحدث مسؤولون رفيعي المستوى في الإدارة الأمريكية عن رغبتها بطي صفحات الماضي التي تعتبر صفحة خاشقجي جزء لا يتجزأ منها، وأن واشنطن بصدد إعادة”ضبط العلاقات” مع السعودية، والتي لا يمكن أن يفهم من كلمة ضبط العلاقات هذه سوى أنها ضبطٌ للمصالح، التي رأت واشنطن أنها في طريقها إلى الفلتان، إن لم تسارع لإعادة التوازن للعلاقات الإستراتيجية التي تربط البلدين ومنعها من سلوك منعطفات خطيرة لا ترغب واشنطن الوصول إليها، وخاصة إذا كان هذا المنعطف سيقود إلى حيث تريد موسكو وتشتهي، ولعل زيارة بايدن للمنطقة في غضون الأيام القليلة القادمة والتي ستكون الرياض أحدى أهم محطاتها، سيكون هدفها الأكثر أهمية وبلا أدنى شك هو إزالة للجليد وترتيب العلاقات وإعادة الدفئ إليها وضبطها والحفاظ عليها.
في السياق ذاته فإن المملكة العربية السعودية تدرك أن واشنطن لا قبل لها أن تلتفت عن مصالحها معها، وتدرك جيدا أن واشنطن تريد منها أن تكون تابعا يأتمر بأمرها، وتدرك أيضا أن هذه العلاقة تريد واشنطن لها أن تكون كعقد الإذعان بين متعاقدين، أحدهما قوي يضع شروطه والآخر ضعيف لا يملك إلا أن يوقع على العقد دون مناقشة، وهذا ما جعل زيارة ولي العهد السعودي لأنقرة تصب في هذا الإتجاه لتخفيف ما أمكن تخفيفه من الضغوط التي يمكن أن تضغط بها واشنطن عليها، والذي تأمل الرياض من هذه الزيارة إعادة علاقتها مع أنقرة ووضعها في المسار الصحيح كما كانت من قبل، لتكون صمام أمان في علاقاتها مع واشنطن خصوصا والغرب عموما.
من هنا تأتي الأهمية المضاعفة للزيارة التي قام بها ولي العهد السعودي محمد بن سلمان لأنقرة، ولقاءه الناجح والتاريخي مع الرئيس رجب طيب أردوغان، وتوقيعه مع الجانب التركي معاهدات واتفاقيات في مجالات اقتصادية وعسكرية و استثمارية عدا تهم البلدين الإسلاميين الكبيرين، وخاصة في هذا الظرف الصعب والتحديات التي تمر بها المنطقة والعالم، ولعل أولى نتائج وثمرات هذه الزيارة التي ظهرت قيام السعودية برفع تعليق سفر المواطنين السعوديين إلي تركيا.
كما أدركت السعودية أهمية علاقتها بواشنطن، فهي مدركة ولاسيما في هذه المرحلة أيضا لأهمية علاقاتها مع أنقرة، التي لا بد أن تكون ضمن قائمة العلاقات الأفضل معها، كما رأت أنقرة أن تكون علاقتها بالسعودية ضمن المفضل من علاقاتها.
العلاقات التي دشنها الرئيس أردوغان بطي صفحة الماضي بالزيارة التي قام بها في نيسان الماضي إلى الرياض، ولقاءه العاهل السعودي سلمان بن عبد العزيز وولي عهده الأمير محمد بن سلمان.
لاشك أن ولي العهد السعودي في زيارته الناجحة فد أدرك أهمية أنقرة سياسيا وعسكريا واقتصاديا، وأنها بالمطلق باتت لاعبا إقليميا ودوليا لا يمكن لأحد تجاهله، والسعودية تأمل في قادم الأيام أن تكون تركيا ظهيرا قويا لجناحها إن أرادت أن توجد وتحلّق في سماء مزدحمة بالمتضادات، فحقيقة الرياض أدركت اخيرا بأن أنقرة باتت الرقم الصعب، الذي لابد من قراءته والتعامل معه بأحسن صوره، وخاصة أنها _اي أنقرة_ هي أحد الأعضاء الفاعلين المهمين في حلف الناتو، ويمكن لها أن تكون بيضة القبان في أي قرار يمكن أن تفكر فيه أو تقدم عليه واشنطن، وحتى إيران وروسيا في المنطقة العربية.
كما أن أنقرة هي الأخرى تدرك الأهمية الكبيرة للسعودية في المنطقة والعالم، وخاصة في ثقلها ودورها المحوري والمركزي المؤثر في العالم العربي والإسلامي، فالمملكة أرض الحرمين الشريفين، وما يعنيه هذا الأمر في وجدان ونفوس الأتراك من قيمة دينية كبيرة تضاف إلى القيم الأخرى التي تحملها أنقرة.
ختاما لاشك أن علاقة الرياض بأنقرة تمثل الجانب الآخر المضيىء من العلاقات بين الدول، علاقة قوامها الإحترام المتبادل، والمصالح المشتركة، على عكس علاقة واشنطن باسعودية التي تمثل الجانب المبني على الفوقية في التعامل، والمصلحة البحتة التي تدنو في كثير من الأحيان إلى الابتزاز الفج وبغض النظر عن أية اعتبارات أخرى.
اقرأ ايضا: من يقف مستترا خلف الهجمات المتكررة على القواعد التركية في العراق
اقرأ ايضا: الميكافيلية وحكم الوارث والموروث..!؟
اقرأ ايضا: تركيا والسعودية ومرحلة نسيان الماضي والإستعداد لإنطلاقة القادم
اقرأ ايضا: الإرهاب ومزاجية التصنيف




































