العقيد فايز الأسمر – باحث في القضايا السياسية والأمنية الشرق أوسطية – بايدن ماذا ستغير جولته من معادلات المنطقة- لاشك أن المنطقة والدول العربية شهدت في العقدين الأخيرين تطورات ومنعرجات كثيرة يمكن أن نصفها بالخطيرة، وخاصة في تلك السنوات التي مرت على إنطلاق ثورات الربيع العربي، والتي لاتزال غالبية الدول التي شملتها هذه الثورات تعاني من ويلات عدم الإستقرار الأمني وجماعات النفوذ ونزاعاتهم والتدخلات الأجنبية، والنزوح واللجوء والفقر والجوع، ناهيك عن ازدياد وتنامي الخطر الإيراني، الذي استغل حالة عدم الاستقرار السياسي والأمني في المنطقة، وبدأ وعبر أذرعه وميليشياته الطائفية يتغلغل ويتمدد ويوسع نفوذه العسكري في الدول العربية (سوريا العراق اليمن لبنان)، والهدف كما هو واضح الوصول إلى عتبات الأردن والمملكة العربية السعودية ودول الخليج العربي.
جولة بايدن للمنطقة
بلا أدنى شك فإيران وملاليها وحرسها الثوري منذ العديد من السنوات يعملون بشتى الطرق الممكنة لإدخال الفوضى الأمنية إلى عموم البلدان العربية واستثمارها واستغلالها، وإيجاد مواطئ أقدام لهم فيها، والتباهي لاحقا في السيطرة على قرارات عواصمها، وليس هذا وحسب فالخطر الإيراني لايقف عند هذا الحد فقط، فها هي “طهران” بعد أن انفلت “عقالها” النووي إثر إنسحاب الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب في 8 أيار 2018 رسميا من الإتفاق النووي، سارعت في حث الخطا لتطوير أبحاثها النووية العسكرية التي تدعي “زورا وكذبا” أنها للأغراض السلمية المدنية.
ويأتي هذا مع بدء استثمارها لأجهزة الطرد المركزي المتطورة ( آي آر 6و9 ) لإنتاج كميات من اليورانيوم بطريقة أسرع، والتي ستجعل إيران على بعد خطوات وأسابيع قليلة من امتلاك القدرة على تصنيع وإنتاج سلاح نووي، سيستخدم مع قادم الأيام في إرهاب وابتزاز دول المنطقة والإقليم والعالم، يأتي هذا بعدما امتلكت أيضا وطورت في وقت سابق أجيالا من الصواريخ الاستراتيجية والطائرات المسيرة بأنواعها، بهدف إعلاء كعبها وفرض هيمنتها على المنطقة إن استطاعت إلى ذلك سبيلا.
عمليا من المقرر خلال الأيام القادمة أن يقوم الرئيس”جو بايدن” بزيارة للعربية السعودية، حيث أنه سيلتقي بالعاهل السعودي الملك”سلمان بن عبد العزيز” وولي عهده الأمير” محمد”، بالإضافة لقادة دول مجلس التعاون الخليجي، وبوجود العاهل الأردني الملك عبدالله الثاني، والرئيس المصري عبدالفتاح السيسي، ورئيس وزراء العراق مصطفى الكاظمي، وسيبحث الرئيس الأمريكي خلال زيارته المحطة السعودية مواضيع ذات صلة بمصادر الطاقة والطاقة المتجددة، والأمن السيبراني والأمن الغذائي، يأتي ذلك مع استمرار الحرب الروسية الأوكرانية والخلل الكبير في ميزان العرض والطلب على النفط والغاز الروسيين، في ظل استمرار العقوبات الأمريكية والأوربية المفروضة على موسكو.
حقيقة ورغم الأسباب والمسوغات الدبلوماسية والأخلاقية التي حدت بالرئيس” بايدن” الإبتعاد عن “الرياض” وتجاهلها بعد مقتل الصحفي “جمال خاشقجي” ووصفه لها حينها أي السعودية بالدولة المنبوذة، إلا أن هذه القطيعة على مايبدو أن ميزان المصالح الأمريكية في المنطقة ومع السعودية بالذات أهم وأكبر بكثير من تصريحات بايدن السابقة تلك، بل طغت وانتصرت أي المصالح الأمريكية على كل خلاف وتجاوزته تماما.
فها هو الرئيس” بايدن” يحرج نفسه ويتراجع عن مواقفه السابقة تجاه الرياض، ويصرح بأن الوقت قد حان لفك الجمود والإستعصاء في العلاقات السعودية الأمريكية”، ويضيف بأنه في طريقه لبدء فصل جديد في المنطقة، والعمل على توجيه وضبط العلاقات الإستراتيجية مع المملكة العربية السعودية.
فعمليا الرئيس بايدن يعي ويدرك جيدا وإلى حد كبير أهمية الدور السعودي المحوري الذي لايمكن تجاوزه بسهولة في المنطقة العربية والإسلامية، فالمملكة في الواقع هي الدولة المحورية ذات الإنتاج والإحتياطي النفطي الكبير، الذي تستطيع من خلاله زيادة أو إنقاص تأثيرات إنتاجها له على منظمة الأوبك وعلى اسواقه وأسعاره، ناهيك عن أنها صاحبة الكعب الأعلى الذي يؤثر تأثيرا سياسيا واقتصاديا وعسكريا كبيرا على دول الخليج خصوصا، والمنطقة العربية المحيطة باسرائيل عموما.
زيارة بايدن للسعودية وإسرائيل
عمليا تأتي زيارة الرئيس “جو بايدن” لإسرائيل والسعودية في ظرف بالغ الأهمية، مع كل ما يحمله في جعبته من هموم ومقترحات وخطط وخرائط عمل ليتم تدارسها وتفنيدها، واتخاذ قرارات مناسبة فيها جعبة أثقلت كاهل إدارته المثقلة” أساسا بأعباء إحتواء الخطر النووي الإيراني المتزايد، وخطر نفوذها وتوسع حرسها الثوري وأذرعها في المنطقة العربية، مع حرصه وحرص إدارته المتزايد في العمل على عزل إيران، وتحقيق أمن وسلامة اسرائيل، وتأمين محيطها وأمنها القومي.
والأهم وبعد التطبيع العربي الأخير مع إسرائيل دراسة وإقرار إقامة تحالفات عسكرية في المنطقة، تكون حتما إسرائيل قاسمها المشترك، للتقليل من الخطر والتهديدات الإيرانية في المنطقة، كالناتو العربي أو ربط شبكات الدفاع الجوي لـ 9 دول عربية مع اسرائيل هي الدول الخليجية الست إضافة إلى مصر والعراق والاردن، وهو القانون المقترح من الحزبين الأمريكيين الديمقراطي والجمهوري.
لاشك أن مشكلة المرحلة الحالية التي تمر بها المنطقة و الإقليم يتمثل حسب كثير من الدول العربية المهتمة في أزياد وقع الخطر الإيراني، هذا الخطر الذي لم يعد يندرج حقيقة الأمر تحت عناوين التهديد للمصالح والأمن العربي فقط، وإنما أصبح خطرا داهما وواقعا جديا ملموسا، فهاهي” إيران” قامت بالتمدد في العراق وسوريا وتنفذت فيهما من خلال ميليشياتها واذرعها وحرسها الثوري، ودعمت قوى سياسية مرتبطة بها.
كما تدعم نفوذها في لبنان واليمن من خلال تقوية وتسليح حزب الله والحوثيين ،ناهيك عن توغلها المثير للجدل العربي في الشأن الفلسطيني الداخلي من خلال حركة حماس وقطاع غزة، حيث باتت طهران ترى من خلال ذلك كله أن قدرتها على إقلاق وإزعاج اسرائيل ودول المنطقة برمتها، بات يشكل لها أيضا ورقة قوة وضغط دائمين.
كما أن سعيها لإمتلاك سلاح نووي يعد مصدر القلق الأكبر لدول المنطقة إذ أن “طهران“ باتت تطرح نفسها كقوة إقليمية كبرى لايمكن تجاوزها عالميا، ولديها تصورها الخاص في شأن إدارة المنطقة والإقليم حيث يمكنها وحسب تصوراتها من خلال كل ذلك التفاوض من باب القوة مع الولايات المتحدة الأمريكية.
ختاما في الواقع تأتي زيارة الرئيس الأمريكي”جو بايدن“ مصاحبة لتحولات إقليمية ودولية مفصلية بشهدها العالم برمته، خاصة بعد الغزو الروسي لأوكرانيا، ومانجم عنه من تداعيات نفطية وإقتصادية وجيو سياسية.
وبالتاكيد سيركز الرئيس بايدن في زيارته على المواضيع التي تتعلق بكيفية دمج إسرائيل في المنطقة العربية، وسبل إعادة توجيه العلاقات مع السعودية واستثمارها على وجهها الأكمل، ومحاولات حث دول الخليج على زيادة إنتاج النفط بهدف تعويض السوق والسيطرة على أسعاره الملتهبة، ناهيك عن بحث طرق زيادة الضغوط القصوى على إيران للوصول إلى إتفاق نووي ملزم معها يمنعها من الوصول إلى إمتلاك السلاح النووي.
والسؤال الذي لابد من طرحه هنا هو: وهل سينجح بايدن في حصد النتائج التي يخطط لها كما تشتهي إدارته وتريد.. ننتظر ونراقب ونرى..؟!
اقرأ ايضا: بايدن: سنعزّز الوجود العسكري الأمريكي في أوروبا.. وروسيا: لسنا خائفين
اقرأ ايضا: بايدن يعرب لأردوغان عن أمله في استمرار العلاقات البناءة
اقرأ ايضا: أردوغان: نواصل مساعينا لحل أزمة الحبوب الأوكرانية.. وبايدن يشكره
اقرأ ايضا: السعودية تنشط قبيل زيارة بايدن للمنطقة




































