بايكار– ترك اجتماع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مع الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي في البيت الأبيض في 28 فبراير/شباط الماضي، مخاوف في القارة الأوروبية، فقد استشعرت دولها خطورة الاعتماد على واشنطن في ضبط أمن القارة.
وتوالت التصريحات على لسان قادة أوروبا الداعية إلى زيادة الإنفاق على الصناعات الدفاعية، وتعبئة موارد القارة لتسليح جيوشها. وأعلنت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين يوم الخميس الماضي، أنها ستعرض على القادة خطة جديدة حول “إعادة التسلح”، بهدف زيادة الإنفاق الدفاعي الأوروبي وإعادة تسليح المنطقة.
وأوضحت أن الخطة الجديدة، التي تبلغ قيمتها 800 مليار يورو، ستوفر للدول الأعضاء مزيداً من الموارد المالية للإنفاق العسكري، كما ستتيح إمكانية التوريد المشترك على مستوى أوروبا.
حاجة أوروبا إلى إعادة تسليح جيوشها وبناء قوتها العسكرية وجهت أنظار عديد من شركاتها نحو الصناعات الدفاعية التركية، التي شهدت في السنوات الأخيرة تقدماً ملحوظاً في عدة مجالات، وعلى رأسها صناعة أنظمة الطائرات المسيّرة.
ويوم الخميس، شهدت العاصمة الإيطالية روما توقيع شركة بايكار التركية الرائدة في صناعة المسيرات اتفاق شراكة مع “ليوناردو”، إحدى أكبر الشركات الأوروبية في الصناعات الدفاعية، في مجال تقنيات الطائرات المسيرة.
وتُعد ليوناردو مجموعة صناعية دولية وواحدة من أكبر اللاعبين العالميين في قطاعات الفضاء، والطيران، والدفاع، والأمن، فهي توظف 53000 شخص حول العالم. تقدم الشركة حلولاً متخصصة في مجالات المروحيات، والإلكترونيات، والطائرات، والأمن السيبراني، والفضاء، وتشارك في مشاريع دولية بارزة مثل يوروفايتر (Eurofighter) ويورودرون (Eurodrone).
كما تمتلك ليوناردو قدرات إنتاجية واسعة في إيطاليا، والمملكة المتحدة، وبولندا، والولايات المتحدة، بالإضافة إلى استثمارات وشراكات استراتيجية في عديد من الشركات.
وتتقاطع اهتمامات الشركتين، إذ يُعتبر كلٌّ منهما رائداً في مجال الطائرات غير المأهولة، والأنظمة الإلكترونية، والحمولات المفيدة، وأنظمة C4I (القيادة، التحكم، الاتصالات، الحوسبة والاستخبارات)، والذكاء الصناعي.
ووفق شركة بايكار التركية، فإن الشركتين تسعيان لاستغلال الفرص الناشئة في الأسواق الأوروبية والدولية، بالإضافة إلى الاستفادة من أوجه التكامل الجديدة في قطاع الفضاء.
وقد علَّق سلجوق بيرقدار، رئيس مجلس إدارة بايكار، على هذه الشراكة قائلًا: “هذه الشراكة الاستراتيجية مع ليوناردو تمثل محطة مفصلية في توسيع بصمتنا التكنولوجية وتعزيز وجودنا العالمي”، مضيفاً أن “هذه الشراكة ستسهم في تعزيز التفوق الجوي المدعوم بالذكاء الصناعي في المستقبل”.
من جانبه، قال روبرتو تشينغولاني، الرئيس التنفيذي والمدير العام لشركة ليوناردو: “من خلال توقيع تحالف دولي جديد يمثل قفزة كبيرة إلى الأمام في أنظمة الطائرات غير المأهولة، نعمل على خلق فرص جديدة، لا سيما في السوق الأوروبية”.
وأكد أن “قطاع الدفاع يواجه تحديات غير مسبوقة في مجالات الأنظمة غير المأهولة، والذكاء الصناعي، ومقاتلات الجيل السادس، والأمن السيبراني، والفضاء. وفي هذا السياق، نؤمن بأن التعاون التكنولوجي ليس فقط ضرورياً، ولكنه أيضاً مُلحٌ للغاية من أجل تسريع التطور وضمان الأمن العالمي”.
دخول السوق الأوروبية
الاتفاقية بين شركة بايكار وشركة ليوناردو الإيطالية هي الثانية بالنسبة للشركة التركية، التي سبق أن استحوذت على شركة بياجيو إيروسبيس الإيطالية في ديسمبر/كانون الأول الماضي، مما يجعل الشركتين بمثابة موطئ قدم لبايكار في السوق الأوروبية.
وتتوقع الشركتان أن يصل حجم سوق الطائرات المسيرة في أوروبا إلى 100 مليار دولار خلال العقد المقبل. ومن المقرر أن يعمل المشروع المشترك بين الشركتين في مركز رونكي دي ليجيوناري، المتخصص في المنصات غير المأهولة ضمن شركة ليوناردو، وفق بيان صادر عن شركة بايكار التركية.
بالإضافة إلى ذلك، سيجري استخدام منشآت الإنتاج في تورينو، إلى جانب منشأة روما تيبورتينا لتطوير التقنيات المتكاملة متعددة المجالات. أما الحلول المشتركة لقطاع الفضاء، فسيجري تطويرها في نيرفيانو.
وفي حديث له مع TRT Haber، قال خبير الصناعات الدفاعية كوبيلاي يلدريم إن علاقات تركيا وإيطاليا قد وصلت إلى مستوى جديد ومختلف. وأضاف أن شركة بايكار، من خلال استحواذها على شركة بياجيو إيروسبيس، أصبحت قادرة على تطوير تقنياتها في مجال الطائرات المسيّرة داخل أراضي الاتحاد الأوروبي عبر شركة تمتلكها بالكامل.
أما اتفاقية التعاون مع شركة ليوناردو، فستحمل انعكاسات مختلفة أيضاً. ويوضح يلدريم قائلًا: “تمتلك ليوناردو خبرة واسعة في تحميل المهام على الطائرات، ولديها عدد كبير من العملاء الأوروبيين. كما تمتلك قاعدة عملاء قوية تشتري المنتجات الدفاعية من أوروبا. والآن، تمكنت شركة بايكار من خلق مساحة جديدة يمكنها من خلالها الانخراط مباشرة في هذا السوق عبر شراكتها مع ليوناردو”.
الحاجة إلى تركيا
يشير الباحث المقيم في مركز التحليل السياسي الأوروبي (CEPA) وزميل برنامج الناتو 2030، فيديريكو بورساري، إلى أن الدول الأوروبية، بما في ذلك إيطاليا، دائماً ما اعتمدت على الطائرات المسيرة الأمريكية مثل MQ-9 Reaper لتلبية متطلباتها التشغيلية. لكن هذا الاعتماد له سلبياته، مثل القيود الصارمة التي تفرضها لوائح التصدير الأمريكية (ITAR)، والتأخيرات في الحصول على التكنولوجيا والمعدات اللازمة.
ويضيف أن الشراكة مع بايكار تتيح لشركة ليوناردو تطوير بديل أوروبي يقلل هذه القيود، ويعزز طموحات إيطاليا في مجال الطائرات المسيرة. فالدول الأوروبية، التي تأخرت تقليدياً في تطوير الطائرات المسيرة، ستستفيد بشكل كبير من الخبرة التركية في التصميم والتصنيع.
يوضح الباحث في الشؤون الصناعية والدفاعية، يلدرم، أن “منصات بايكار أثبتت جدارتها في أصعب الظروف وفي ساحات القتال الفعلية، كما أن لديها سيولة نقدية كافية لتمويل تطوير منتجات جديدة”.
ويشدد على أن “هذا ليس كل شيء، فشركة بايكار تمكنت أيضاً من تقديم طائرة ذاتية التشغيل/شبه ذاتية التشغيل للمستقبل، وهي طائرة كيزيليما (KIZILELMA)، التي تستمر في الطيران وإجراء اختبارات جديدة باستمرار”.
ثم يشير إلى نقطة قد تكون أقل شهرة ولكنها بالغة الأهمية، وهي أن شركة بايكار “تمتلك مطارات خاصة لاختبار الطيران، ومناطق لإجراء اختبارات الرماية بحُرية. والأهم من ذلك، لديها هدف واضح تسعى إليه. هذه أمور لا تستطيع الشركات الأجنبية العثور عليها بسهولة”.
يلفت الباحث الأوروبي إلى أن أوروبا تواجه تحديات عديدة في تطوير قدرات الطائرات المسيرة بسبب البيروقراطية، وتجزئة السياسات الدفاعية، والتركيز التقليدي على الطائرات المأهولة.
كما يشير بورساري إلى مشاريع أوروبية مثل برنامج الطائرات المسيرة “يورودرون” (Eurodrone)، الذي يضم فرنسا وألمانيا وإيطاليا وإسبانيا، الذي يعاني من تأخيرات وتجاوزات في التكاليف، مما ترك الجيوش الأوروبية بخيارات محدودة، وعزز اعتمادها على الطائرات الأمريكية.
ويختتم موضحاً أن التعاون مع بايكار يعكس رغبة إيطاليا في تجاوز هذه العوائق، وتطوير قدرات متقدمة تتجاوز نطاق “يورودرون” (Eurodrone).
المصدر: TRTعربي
اقرأ أيضا: الصادرات الدفاعية التركية تنمو بنسبة 103 بالمئة في 5 سنوات
اقرأ أيضا: خبراء يؤكدون أهمية تركيا لأمن القارة العجوز



































