روائع من التاريخ العثماني (1) .. عندما دخل المسلمون إلى قارة أوروبا بثمانين مجاهداً

 روائع من التاريخ العثماني (1) .. عندما دخل المسلمون إلى قارة أوروبا بثمانين مجاهداً

روائع من التاريخ العثماني (1)

Ad

لطالما كانت حياة دولة عظيمة مثل الدولة العثمانية ذاخرة بالقصص والأحداث التي يمكن تصنيفها بأنها روائع من التاريخ العثماني، وهذه الأحداث والمواقف ساهمت بتشكيل الأمبراطورية التي حكمت أطراف الأرض في يوم من الأيام.

وجمعنا لكم في سلسلة روائع من التاريخ العثماني مجموعة قصص وأحداث تستحق التوقف وأخذ العبر منها، عل وعسى أن تكون هذا العبر والفوائد خير معين لنهضة الأمة الإسلامية من جديد.

روائع من التاريخ العثماني (1) .. إلى قارة أوروبا بثمانين مجاهداً

Ad

هذه قصة انتقال العثمانيين إلى “رومللي” أي إلى قارة أوروبا، وذلك في عهد السلطان أورخان ابن السلطان عثمان، مؤسس الدولة العثمانية.

 كانت الغرفة الكبيرة مملوءة برؤساء عشيرة “قابي”، وبرجالها البارزين … كان الجميع في انتظار رئيسهم الغازي أورخان بن عثمان الذي أرسل يستدعيهم ليشاورهم في أمر هام لم يفصح عنه.

ما الأمر؟ لما استدعاهم كلهم؟ أهناك معاهدة جديدة مع البيزنطيين يريد أن يأخذ رأيهم حولها؟ لم يكن أحد يدري، وكان الهمس يدور بين الجميع.

ما لبث الهمس أن توقف عندما دخل رئيس العشرة الغرفة، يتبعه ابنه الأكبر سليمان باشا … سلم على الجميع بسلام الإسلام: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته … ردوا عليه السلام، وهم يتطلعون إليه وينتظرون حديثه.

أجال زعيمهم أورخان نظره بين الجالسين ثم بدأ حديثه معهم قائلاً:

يا إخواني ويا أصدقاء السلاح … تعلمون أننا استولينا على مدينة بورصة وجعلناها عاصمة لمملكتنا، فحققنا بذلك وصية والدنا المرحوم عثمان، كما وقفنا الله تعالى لفتح جميع حصون ومعاقل الروم في هذه المنطقة، حتى اضطر إمبراطورهم “يوانيس كانتكوزينوس السادس” إلى عقد الصلح معنا … ولكن لا يكفي هذا يا إخواني، إذا علينا أن نعبُر إلى “رومللي” لنستمر في الفتوحات هناك أيضاً … فما رأيكم وما قولكم؟

روائع من التاريخ العثماني

رمز قبيلة قايي - روائع من التاريخ العثماني
رمز قبيلة قايي – روائع من التاريخ العثماني

قام الغازي فاضل بك، وكان من قواد العشيرة وهتف، وقد أخذ منه التأثر كل مأخذ: الله أكبر … الله أكبر … لقد كنا ننتظر هذه البشرى منذ وقت طويل … بارك الله فيكم ونحن جميعاً من ورائك.

 وسرى الانفعال والحماسة إلى الآخرين، فقام كل واحد يحتضن الآخر، ويهنئه.

هنا مال سليمان وهمس في اذن والده أورخان:

– ألا تجعلني على رأس هذه الحملة يا أبي؟

ابتسم الوالد من رغبة وطموح ابنه الشاب ولكنه تردد قليلاً، فهذه الحملة تحتاج إلى حكمة قائد، وإلى تجربة شخص متمرس، لذا فقد استشار قوّاده:

– إن ابني سليمان يرغب في قيادة هذه الحملة … فماذا ترون؟

كان القادة يعرفون الأمير سليمان حق المعرفة، ويعرفون بسالته وشجاعته في المعارك التي خاضها معهم؛ لذا قالوا جميعاً:

– حسناً يفعل ونحن تحت إمرته وطوع بنانه.

– إذن نوليه هذه القيادة بعد التوكل على الله … ولكن يا إخواني أرجو أن تساعدوه وأن تشيروا عليه أن يستشيركم في كل أمر في هذه الحملة.

وانفض الاجتماع.

روائع من التاريخ العثماني

 الأمير سليمان باشا ابن السلطان العثماني أورخان ابن عثمان - روائع من التاريخ العثماني
الأمير سليمان باشا ابن السلطان العثماني أورخان ابن عثمان – روائع من التاريخ العثماني

وفي صباح أحد الأيام كانت هناك حركة دائبة في معسكر المسلمين، إذ حُدّت السيوف والرماح، ولُبِسَت الدروع، وتعالى صهيل الخيول … وبعد قليل توجه فرسان الإسلام إلى الشمال، ينهبون الأرض نهباً، حتى انتهى البر، وظهر أمامهم البحر … البحر الذي يفصلهم عن قارة أوروبا … عن قارة جديدة سينشرون فيها الإسلام.

Ad

عسكر المسلمون هناك ريثما يجدوا حلاً لعبور هذا البحر.

كان الأمير سليمان دائم التفكير في كيفية حل هذه المشكلة، وبينما هو واقف في الساحل يتطلع ساهماً إلى الضفة الأخرى في البحر، اقترب منه الغازي فاضل بك ومعه الفارس أجه بَيْ وسأله:

– بماذا تفكر أيها الأمير؟

– أفكر في كيفية عبور هذا البحر إلى الضفة الأخرى دون أن يشعر الأعداء بذلك.

– إن أصدرتم لنا أمركم فسنعبر نحن.

– كيف؟ ومن أين؟

– علمنا أن هناك مضيقاً قريباً نستطيع العبور عنده، ويوجد لهم حصن هناك.

– حسناً … اعبروا إذن ولكن في مهمة استطلاعية في أول الأمر.

روائع من التاريخ العثماني

قلعة رومللي - روائع من التاريخ العثماني
قلعة رومللي – روائع من التاريخ العثماني

ذهبوا إلى المضيق وصنعوا هناك طوفا صغيرا من جذوع الأشجار وعندما حل المساء ركب الغازي فاضل بك والفارس أجه بَيْ مع عدد قليل من الفرسان طوفاً وانتقلوا به إلى الضفة الأخرى.

وهناك رأوا أحد الأشخاص وهو نائم فألقوا القبض عليه ورجعوا به إلى قائدهم سليمان باشا، كان هذا الأسير يرتجف من الخوف إذ أيقن أنهم سيقتلونه، ولكن سليمان باشا هدأ من روعه وأطعمه، وأهدى إليه حلة جديدة، وهدايا أخرى جعلته يطير من الفرح، ثم سأله مسألة:

– أتستطيع أن تدلنا على منفذ نستطيع الدخول منه إلى الحصن دون أن يحس بنا أحد؟ – أجل سيدي … أستطيع ذلك إذ أنني أعرف الحصن جيداً.

– لو فعلت هذا وتحققنا من صدق كلامك فسأجزل لك العطاء.

– أنا أعدكم يا سيدي … لن يحس بنا أحد.

وسرعان ما أصدر سليمان باشا أمره بصنع أطواف أخرى أكبر حجماً … وفي مساء اليوم الثاني، وبعد أن تم صنع الأطواف، اختار ثمانين صنديداً من فرسانه ركبوا الأطواف وانتقوا به في جنح الظلام إلى الضفة الأخرى بكل هدوء، ودون إحداث جلبة، هناك دلهم الرجل على ممر سري (تذكر بعض المصادر التاريخية: أن هذا الممر السري كان قناة المياه التي تصرف المياه الآسنة للحصن، وترمي بها في البحر).

تسلل سليمان باشا وجنوده الثمانون إلى الحصن بكل هدوء … كان الموسم موسم حصاد وجمع للفواكه، لذا فقد كان أكثر سكان الحصن في البساتين والحقول المحيطة بالحصن، لذا فلم يصعب عليه الاستيلاء على الحصن، ولم تتيسر المقاومة للأعداء فاستسلموا فحقنوا بذلك دماءهم إذا لم يتعرض لهم المسلمون بأي أذى.

اقرأ أيضاً: أردوغان يحيي ذكرى أرطغرل 740.. سنحافظ على الأناضول وطن الأتراك للأبد

اقرأ أيضاً: قيامة أرطغرل وقيامة عثمان مسلسلين أحيا تاريخ العالم الإسلامي واتهما بالسياسية

لم يدع سليمان باشا الوقت يمر دون فائدة، فأرسل بعض رجاله حيث استولوا على السفن الراسية هناك والعائدة للحصن، وانتقلوا بها إلى الضفة الأخرى، ونقوا بقية الجنود هناك.

وقبل أن ينتشر هذا الخبر (أي خبر استيلاء المسلمين على الحصن) هاجم المسلمون حصناً قريباً آخر، وفتحوه أيضاً فأصبحوا يملكون حصنين كبيرين كموضع قدم لهم في قارة جديدة يطئونها لأول مرة.

كانت هذه هي البداية … بداية انتشار المسلمين في قارة أُخرى، ستكون لهم فيها صولات وجولات وفتوحات كبيرة.

كانت هذه إحدى القصص الملهمة من روائع من التاريخ العثماني التي نلتمس فيها الصدق والإخلاص في الطلب وكيف أن قلة العدد لا تعني بالضرورة قلة السطوة والمدد 

المصدر: كتاب روائع من التاريخ العثماني – للمؤلف أورخان محمد علي

Ad1

فريق التحرير

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.