“ليس هناك أمة في العالم لا تستطيع قراءة وكتابة تاريخها وحضارتها. ليس هناك أمة في العالم لا يمكنها قراءة شواهد قبور أجدادها“.
هكذا استنكر الرئيس التركي أردوغان تراجع الاهتمام بالحرف العربي والقدرة على قراءة وكتابة اللغة العربية والعثمانية خلال مشاركته في فعالية بأحد المراكز الثقافية، مؤكدا على أن “اللغة تعتبر بمثابة الوصف الرئيس للحضارة والذاكرة، بل والوصف الذي من خلاله تبنى الأمم.
كيف غابت العربية عن الأتراك؟
بعد تأسيس دولة الجمهورية التركية، عام 1923، وبعد 5 أعوام من حكم مصطفى كمال أتاتورك، كأول رئيس للجمهورية التركية، أصدر عام 1928، جملة من القرارات التي غيّرت مجرى التاريخ بالبلاد، تضمنت حظر كتابة اللغة التركية بالأبجدية العربية، وتحويلها إلى الأبجدية اللاتينية. وهو ما سماه البعض الانقلاب اللغوي أو الثورة على الأحرف العربية وتغييرها للاتينية.
فبين ليلة وضُحاها وجد الأتراك أنفسهم مُجبرين على استعمال الأحرف اللاّتينية وترك ما تعوّدوا عليه من كتابة بالأحرف العربية لمدة قرون متطاولة. فإذا كان إلغاء الخلافة قطع صلة المسلمين ببعضهم البعض معنويّا، فقد كان إلغاء الحروف العربية واستعمال اللاّتينية محلّها قطعًا لصلة الأتراك المسلمين بتاريخهم وبمصادر هذا التّاريخ المُدوّن بالأحرف العربيّة.
إلغاء الحروف العربية
وعام 1932، أنشأ أتاتورك جمعية (اللغة التركية) بهدف استبدال ما أمكن من كلمات ذات الأصل الفارسي أو العربي، بما يقابلها بالتركي (الأبجدية اللاتينية).

وكان لتغيير أبجدية البلاد، والكثير من مصطلحاتها، أثر كبير في جعل أهل تركيا يختلفون يتباينون في الكلام، فكانت الأجيال المولودة قبل عقد الأربعينيات من القرن العشرين تتحدث بالتركية العثمانية، ذات المصطلحات العربية، والفارسية، بينما أخذت الأجيال الأصغر سنًا تتحدث بالتركية الحديثة. فلم تستطع الجدة تفهم ما يقوله أحفادها والعكس.
محاولات الإحياء
وفي الآونة الأخيرة وخاصة مع بداية عام 2010 بدأت الدولة التركية تقوم بمحاولات هدفها إحياء اللغة العربية من جديد والعودة لثقافة الأجداد. وباتت تركيا تنظر إلى أن إعادة إحياء اللغة العثمانية، باتت جزءًا من الطرح الثقافي والحضاري الذي يتبناه حزب العدالة والتنمية، ضمن رؤيته لمشروع “الجمهورية الثانية” عام 2023، في محاولة لإعادة صلة الأتراك بتاريخهم المدون بالحرف العربي، وصلتهم بمحيطهم وتاريخهم الإسلامي.
وفيما يلي أهم المحاولات التي قامت بها الحكومة التركية لإحياء اللغة العربية من جديد
في أبريل 2010 وافق مجلس الوزراء التركي على مقترح تقدمت به وزارة التعليم بشأن جعل اللغة العربية مادة اختيارية في المرحلة الثانوية، وصدر القرار بالصحيفة الرسمية على نحو جعل اللغة العربية مادة اختيارية تاسعة، بالإضافة إلى الإنجليزية والفرنسية والألمانية والإيطالية والصينية والإسبانية واليابانية والروسية.
وفي يونيو 2013 أصدرت المديرية العامة للتعليم الأساسي التابعة لوزارة التعليم التركية قراراً رقمه (1325231) بشأن المواد الاختيارية الواجب تدريسها أسبوعياً لطلاب المراحل الدراسية الأساسية والوسطى (الابتدائية والإعدادية) والمتضمنة اللغة العربية، وتم تطبيق القرار على طلاب الصفين الخامس والسادس اعتباراً من العام الدراسي 2013-2014.

واعتمدت رئاسة الجمهورية في أبريل 2016 صفحة رسمية لرئيس الجمهورية أردوغان، على فيسبوك، باللغة العربية. كما تم إطلاق حساب رسمي له على تويتر باللغة العربية.
وعندما نتحدث عن محاولات إعادة اللغة العربية لا يمكننا أن نجهل الدور الهام الذي لعبه اللاجئين العرب في هذا الخصوص. حيث بلغ عدد اللاجئين السوريين في تركيا نحو مليونين و896 ألف لاجئ موزعين في مدن ومحافظات تركيا في فبراير 2017.
إجراءات حكومية لتعزيز العربية
في السياق نفسه، أضافت بلدية إسطنبول” اللغة العربية إلى اللوحات المرورية ولافتات الطرق، لتصبح اللغة الثالثة بجانب التركية والإنجليزية، وذلك بعد فترة من إدراج اللغة العربية في شاشات المعلومات في خطوط النقل الداخلي ببعض مناطق المدينة، مراعاة لتزايد أعداد العرب المقيمين في تركيا. وتم تخصيص اللغة العربية في بعض الخدمات المقدمة للشعب التركي لتسهيل بعض الأمور على العرب المقيمين بتركيا مثل رقم 155 الخاص بالشرطة التركية فهو الآن يقدم خدمة باللغة العربية على مدار 24 ساعة وغيرها من الخدمات الأخرى.

وقرر مجلس التعليم العالي التركي، في إطار استيعاب اللاجئين السوريين داخل المجتمع التركي، فتح أقسام للدراسة باللغة العربية، و التغاضي عن شرط الدراسة باللغة التركية، في 8 جامعات تركية في مناطق تمركز اللاجئين بجنوب وشرق البلاد.
كذلك عقد أردوغان خلال جولته الخليجية الأخيرة منتصف فبراير الماضي، اتفاقاً مع أمير قطر، بشأن إنشاء جامعة جديدة في تركيا تختص بتدريس اللغة العربية، وتهدف إلى استيعاب اللاجئين السوريين المقيمين في تركيا، وتوفير آلية لتأهيلهم تعليمياً.
واليوم تعود اللغة العربية حاضرة بقوة، وتشعر حين تمشي في شوارع تركيا وكأنك في إحدى البلدان العربية من كثرة اللافتات العربية الموجودة بكل مكان






































