في خطوة وصفت بأنها محورية في مسار المرحلة الانتقالية في سوريا، وقعت تركيا وسوريا، اتفاقية تعاون عسكري تشمل تزويد الجيش السوري بأنظمة أسلحة متطورة وأدوات لوجستية، إضافة إلى التدريب والمشورة وتبادل المعلومات والخبرات.
ويُعد هذا الاتفاق ثمرة أشهر من الاجتماعات المكثفة بين تركيا وسوريا، ويمهد الطريق نحو اتفاق شامل للتعاون الدفاعي والأمني.
وقال مصدر في وزارة الدفاع التركية إن “الاتفاقية تهدف إلى التنسيق والتخطيط للتدريب والتعاون العسكري، وتقديم الاستشارات، وضمان توفير المعدات وأنظمة الأسلحة والخدمات ذات الصلة”، مشددًا أن “أنقرة مستعدة لتدريب الجيش السوري على استخدام هذه المعدات إذا لزم الأمر”.
دعم لوحدة سوريا ومكافحة الإرهاب
وأوضحت وزارة الدفاع التركية أن الاتفاقية توسّع دور تركيا في دعم سوريا، مؤكدة “سنواصل، بفضل المعرفة والخبرة والتجربة التي تمتلكها قواتنا المسلحة، دعم سوريا في مكافحة الإرهاب وتعزيز قدراتها الدفاعية والأمنية”.
كما شددت على التزامها بحماية وحدة الأراضي السورية، مشددة أن تنظيم PKK/PYD الإرهابي يعمل على تقويض جهود الحكومة السورية في إزالة الانقسامات العرقية والدينية والطائفية.
وكانت أنقرة قد أبدت نفاد صبرها إزاء عدم تنفيذ اتفاق آذار/مارس بين دمشق والتنظيم الإرهابي، والذي نص على دمج بعض عناصره من لا ينتمون للعناصر الأجنبية في مؤسسات الدولة السورية.
وأكدت أن أنشطة التنظيم تهدد المسار السياسي وتعرقل استعادة وحدة سوريا، محذرة من أن الاشتباكات الأخيرة بين الجيش السوري والتنظيم الإرهابي، والمؤتمر الذي دعا فيه الأخير إلى مراجعة الإعلان الدستوري السوري، يشكلان تهديدًا مباشرًا للاستقرار.
أبعاد سياسية وعسكرية وأمنية
يرى الخبير بالقانون الدولي فراس حاج يحيى أن الاتفاقية التركية السورية تمثل خطوة نوعية في مسار الانتقال السياسي فيسوريا.
وقال في تصريحات لـ “وكالة أنباء تركيا”، إن “الاتفاقية تُرسي إطارًا للحوار المباشر بين الأطراف السورية، بما يعزز فرص نجاح المرحلة الانتقالية برعاية إقليمية ودولية، كما أنها تُشير إلى قد تشكل بدء تحوّل في التعاطي الدولي مع الملف السوري، خصوصًا مع تركيزها على وحدة الأراضي السورية وسيادتها”.
وأضاف “قد تُسهم في مساندة جهود الدولة السورية في بسط سيطرتها على كامل الحدود السورية وتدريب الكوادر العسكرية السورية وبناء المؤسسات العسكرية والأمنية على أسس احترافية ولها أهمية خاصة خاصة في مواجهة التنظيمات الإرهابية والانفصالية التي لا تزال تشكل تهديدًا مشتركًا”.
وحول الرسائل من تلك الاتفاقية، أشار حاج يحيى إلى أن من أهم تلك الرسائل “التركيز على (سوريا الجديدة) في الاتفاقية يُظهر اعترافًا بضرورة دعم هذه الحكومة الانتقالية، مع الحفاظ على المكاسب التركية المشروعة في مجال مكافحة الإرهاب، كما أن التوقيت يُرسل رسالةً للدول الأخرى أن الحل السوري يجب أن يكون بقيادة إقليمية ودولية متوازنة”.
ورأى أن “هذه الاتفاقية قد تُشكل لبنةً أولى لاستعادة الاستقرار، شرط أن تُترجم إلى خطوات عملية تضمن حقوق جميع السوريين، وتفتح الباب لمصالحة نحو بناء دولة سورية جديدة”.
البعد الاستراتيجي ورسائل القوى الإقليمية
من جانبه، يؤكد الباحث في الشأن العسكري رشيد حوراني أن “الاتفاقية تُعطي دورًا أكبر لتركيا في سوريا، سواء في مواجهة روسيا والاحتلال الإسرائيلي، أو في فرض توازن معهما، أو في وضع حد لتمددهما، كما تمثّل الاتفاقية رسالة موجّهة بشكل صريح ضد تنظيم PKK/PYD الإرهابي، ويمكن إدراجها ضمن إطار الضغط الأمريكي على التنظيم الإرهابي من خلال تركيا”.
وأضاف حوراني في تصريحاته لـ “وكالة أنباء تركيا”، أن “البنود الثلاثة المنشورة من الاتفاقية تشير بوضوح إلى أن القوات السورية المُشار إليها هي قوات حديثة النشأة، فالبند الثاني منها ذو طابع أمني بامتياز، في حين يدلّ البندان الأول والثالث على إمكانية تطوير الاتفاقية مستقبلًا، من خلال رفع الجاهزية التشغيلية وتحديث الأنظمة العسكرية، وهو ما يستدعي تحديث القوات وتزويدها بالأسلحة الحديثة المتوافقة مع الأنظمة المعتمدة، فضلًا عن تطوير “قدرات القيادة”.
وتابع “كما أن الاتفاقية أخذت بعين الاعتبار الحالة التنظيمية للقوات السورية، التي انتظمت حديثًا في هياكل عسكرية منظمة، لكنها تفتقر إلى الخبرات العسكرية التقنية المتقدمة، وكذلك إلى الموارد البشرية المتخصصة، ولذلك، صرّح مدير إدارة شؤون الضباط قبل يومين أن عدد الضباط المنشقين الذين عادوا إلى الخدمة يبلغ نحو 3000 ضابط، وهم على الأرجح سيشكّلون نواة القوات التخصصية الحديثة، نظرًا لقدرتهم على استيعاب التكنولوجيا العسكرية الجديدة. وعليه، تم على سبيل المثال تجميع المنشقين من صفوف الدفاع الجوي والقوى البحرية، من ضباط وضباط صف، لتهيئتهم لمرحلة ودور قادم في مجال تخصصاتهم”.
انعكاسات الاتفاقية على الداخل السوري
من المتوقع أن يكون لهذه الاتفاقية أثر مباشر على المرحلة الانتقالية في سوريا، خاصة في الجوانب الأمنية والعسكرية.
فإعادة بناء الجيش على أسس مهنية، وتزويده بتقنيات وأساليب تدريب متقدمة، يمكن أن يعيد الثقة بالمؤسسة العسكرية السورية كممثل وطني جامع.
كما أن التنسيق الوثيق مع تركيا العضو في الـ”ناتو” وصاحبة الخبرة الطويلة في مكافحة الإرهاب قد يسرّع من استعادة الأمن في المناطق الحدودية والداخلية السورية.
إضافة إلى ذلك، فإن إدماج الضباط العائدين في وحدات متخصصة سيعزز من الكفاءة العملياتية للجيش، ويفتح الباب أمام استثمار خبراتهم في مجالات حساسة مثل الدفاع الجوي وحماية السواحل، وهي ملفات ذاتأولوية في سياق التهديدات الإقليمية.
التحديات أمام التنفيذ
إن هذه الخطوة تعكس، حسب مراقبين، تغيرًا في موازين القوى الإقليمية، ورسالة واضحة أن الأمن والاستقرار في سوريا سيكونان نتاج تعاون إقليمي مباشر، وليس فقط نتيجة تفاهمات دولية بعيدة عن الميدان.
وتمثل الاتفاقية العسكرية بين تركيا وسوريا أكثر من مجرد مذكرة تفاهم تقنية، فهي إعلان عن مرحلة جديدة في إدارة الملف السوري، حيث تلتقي الاعتبارات الأمنية مع الأهداف السياسية في إطار إقليمي يراعي توازنات القوى ويعطي الأولوية لمكافحة الإرهاب وحماية وحدة الأراضي السورية.
وإذا ما نُفذت بنودها على النحو المأمول، فقد تكون بالفعل نقطة تحول نحو “سوريا الجديدة”، دولة موحدة وآمنة وقادرة على الدفاع عن نفسها، ومتصالحة مع مكوناتها، ومندمجة في محيطها الإقليمي، بدعم تركي كبير.







































