101 عام على معركة سقاريا، والتي تحل ذكراها في 13 أيلول/سبتمبر من كل سنة، وتُعد إحدى أعظم معارك الأمة التركية خلال حرب التحرير والاستقلال ضد القوى الاستعمارية الغربية بين عامي 1919 و1922.
وقعت معركة سقاريا أو حرب ساحة سقاريا، بين قوات المقاومة التركية والجيش اليوناني المحتل بالقرب من العاصمة أنقرة، وكانت المعركة التي مهدت الطريق لتأسيس الجمهورية التركية الحديثة، على يد مؤسسها مصطفى كمال أتاتورك ورفاقه.
معركة سقاريا.. الملحمة الكبرى
سماها أتاتورك بالملحمة الكبرى، نظراً للصمود القوي الذي أبداه الأتراك ضد سقوط مدن الأناضول بيد المحتل اليوناني، كما أُطلقَ على المعركة اسم “معركة الضباط” لكثرة عدد إصابات الضباط فيها.
استمرت المعركة التي تُعد من أكثر الحروب دموية في تاريخ الأمة التركية لمدة 22 يوم و22 ليلة من 23 أغسطس/آب إلى 13 سبتمبر/أيلول 1921.
فقد الجيش التركي 5 آلاف و713 شهيداً، وأُصيب به 18 ألفاً و480 فيما بلغ عدد القتلى في صفوف الجيش اليوناني 3 آلاف و958 قتيلاً، وبلغ عدد الجرحى 18 ألفاً و955 جندياً.

الوضع السياسي والميداني قبل معركة سقاريا
عقب هزيمة الدولة العثمانية في الحرب العالمية الأولى مع حلفائها في دول المحور، أُجبرت الحكومة العثمانية على توقيع معاهدة (سيفر) في 10 آب/أغسطس 1920.
وكان ذلك بداية لعهد جديد من التوغل الغربي في الأراضي التركية بسبب الشروط المجحفة والقاسية على الدولة العثمانية، وبنفس الوقت استعرت نار النضال الوطني التركي بقيادة أتاتورك في سبيل نيل الحربية والاستقلال.
وفي إطار تنفيذ شروط اتفاقية سيفر المجحفة، تقاسمت دول الحلفاء الغربية أراضي الدولة العثمانية، حيث احتلت كل من بريطانيا وفرنسا وإيطاليا وأرمينيا أجزاء من الأراضي التركية، استولت اليونان على مدينة إزمير في الغرب والمدن الواقعة في شمال غرب بحر مرمرة المتمثلة بإقليم تراقيا.
اقرأ أيضا: روائع من التاريخ العثماني (1) .. عندما دخل المسلمون إلى قارة أوروبا بثمانين مجاهداً
أسباب اندلاع المعركة
وأطماع اليونان لم تقف عند هذا الحد، بل أمر الملك اليوناني قسطنطين بتحرك الجيوش اليونانية والتي كان يقودها الجنرال أناستاسيوس بابولاس لاحتلال أنقرة، المدينة التي جعلها أتاتورك عاصمة المقاومة التركية، مقيماً فيها البرلمان التركي عام 1920.
وكان هدف الملك اليوناني من احتلال أنقرة، هو السيطرة عليها وإغلاق البرلمان التركي بعد إلحاق الهزيمة بالمقاومة التركية، وإجبارها على القبول بشروط معاهدة سيفر، التي تقر بالاحتلال الغربي وتمنع جميع أشكال المقاومة.
استعدادات المقاومة التركية للمعركة سقاريا
قرر مصطفى كمال أتاتورك حينها سحب قوات الجبهة الغربية إلى الشرق من نهر سقاريا وترك مسافة كبيرة بين القوات التركية والجيش اليوناني وواصل الدفاع من هذا الخط.
وألقى أتاتورك خطاباً تحفيزياً على المقاتلين في الميدان جاء فيه: “لا يوجد خط دفاع؛ هناك سطح دفاع، هذا السطح هو البلد كله، لا يمكن التخلي عن الوطن حتى يسقى كل شبر من الأرض بدماء المواطنين”.
وأعطى أتاتورك الأوامر بنشر المعركة على مساحة واسعة، الأمر الذي سيسبب فصل القوات اليونانية عن مقارها ويقطع الاتصالات بينهم.
وقامت القوات التركية بالتموضع من الجنوب إلى الشمال في انتظار القوات اليونانية التي سارت إلى موقع المعركة لمدة 9 أيام، والتي جرى تحديد مسار تحركها من قبل وحدات الاستطلاع التركية، التي أبلغت قيادة الجبهة التركية، الأمر الذي أفقد الهجوم اليوناني طابعه المهيمن.

اقرأ أيضا: روائع من التاريخ العثماني (2) .. السلطان الذي طلب الشهادة فنالها
انتصار تاريخي للمقاومة التركية
وفي يوم 23 أغسطس/آب 1921، بدأت القوات اليونانية الهجوم بهدف اطباق حصار على القوات التركية المدافعة، والتي أنشأت مراكز لها في بولاتلي بالقرب من خط السكة الحديدية على بعد أميال قليلة شرقي نهر سقاريا، استعداداً لمواجهة القوات اليونانية.
تَمكَّن اليونانيون في الأيام الأولى للمعركة، من السيطرة على جبل مانغال والتقدم باتجاه أنقرة، وبحلول اليوم السابع من المعركة، هاجمت القوات اليونانية جميع الجبهات تقريباً، لكنها أخفقت بحصار القوات التركية التي طبقت خطة دفاع محكمة، وحافظت على وحدة الجبهة بصدها للهجمات اليونانية العنيفة.
ومع استمرار صمود القوات التركية أمام الهجمات اليونانية، بدأ الوهن والضعف يظهر جلياً على الجيش اليوناني المهاجم، والذي اضطر في اليوم الـ 14 للمعركة للتراجع تدريجياً من على مركز الجبهة التركية، وتبع ذلك هجمات عكسية بطولية للقوات التركية لاستعادة الأراضي المحتلة.
وبعد مضي 22 يوم و221 ليلة، سقط فيها آلاف الجرحى والقتلى، انتهت معركة سقاريا الكبرى، التي روى فيها الأتراك أرضهم بدمائهم، وألحقوا بالقوات اليونانية المحتلة هزيمة نكراء ومذلة اضطرتها للتراجع لاحقاً الى إزمير.

اقرأ أيضا: روائع من التاريخ العثماني 3 .. السلطان الصاعقة سلطان الحق والصلاحية
كان تأثير الانتصار في معركة سقاريا على الأمة التركية وقعه عظيماً، حيث زادت الثقة بالقوات التركية وأُحيي الأمل مجدداً بالتحرر والاستقلال، وأيضاً وقع الهزيمة التي مُني بها الجيش اليوناني أجبر دول الحلفاء على التخلي عن أثينا بعد اقتناعهم بعدم قدرتهم فرض شروط معاهدة سيفر على الأتراك.
وجرى على إثر ذلك انسحاب الحلفاء من الأراضي التركية المحتلة، وتركوا اليونان عرضة للهجوم التركي الكبير في 9 سبتمبر/أيلول 1922 من أجل استعادة مدينة إزمير، آخر معاقل اليونانيين.

وبانتصار المقاومة التركية عقب دحر اليونان في بحر إيجة، تم تدشين مفاوضات جدية مع الدول الغربية، انتهت بإعلان تأسيس الجمهورية التركية الحديثة في 29 أكتوبر/تشرين الثاني 1923 بعد تمزيق معاهد سيفر وتوقيع معاهدة لوزان التي تجاهلت ما أقرته معاهدة سيفر من بنود وشروط مجحفة.








































