• 20 يونيو 2024

محمد عاكف آرصوي.. شاعر الاستقلال والإسلام

محمد عاكف آرصوي شاعر الاستقلال التركي، أو شاعر الإسلام كما يحب أن يسميه الادباء العرب، الذي أفصح عن أمنيته الوحيدة قائلاً: “ربّ لا تكتب على هذا الشعب كتابة نشيد وطني مرة ثانية”.

خلَد محمد عاكف آرصوي اسمه في صفحات التاريخ التركي المعاصر، وحظي بمكانة عظيمة في قلوب الأتراك، إذ أن كلماته التي صاغ منها نشيد الاستقلال التركي ما زالت تصدح بها الحناجر كل يوم وفي كل بقعة من تركيا.

محمد عاكف آرصوي

تقديراً لتراثه الأدبي العريق وتخليداً لذكراه، أصدر الرئيس التركي رجب طيب أردوغان تعميماً يقضي باعتماد عام 2021 “عام محمد عاكف ونشيد الاستقلال الوطني”، في الذكرى المئوية للنشيد الوطني التركي.

وبعد 85 عاما من وفاته، لا يزال الشاعر أرصوي رمزا فكريا وأدبيا حيا في العالم الإسلامي، الذي تنقل فيه بين تركيا العثمانية والجمهورية والبلقان وسوريا ومصر، التي عاش فيها أكثر من 10 سنوات، بالإضافة إلى لبنان والجزيرة العربية.

نشأة محمد عاكف آرصوي

ولد محمد عاكف آرصوي في 20 كانون الأول/ديسمبر 1873 في حي ساريجوزيل بمنطقة الفاتح في مدينة إسطنبول، لأب قدم من كوسوفو للدراسة وهو محمد طاهر أفندي، ووالدته أمينة شريف هانم ابنة العائلة المهاجرة من مدينة بخارى في أوزباكستان.

منزل محمد عاكف آرصوي

الدراسة والتعليم

دخل محمد عاكف آرصوي مدرسة حي الأمير البخاري في الفاتح، ثم انتقل الى المدرسة الابتدائية ابتدال إيلكوكولو، وأولى والده اهتماماً كبيراً بتعليمه اللغة العربية.
انتقل الى ثانوية مركز الفاتح في 1852، فيما كان يجتهد بتعلم اللغة الفارسية في مسجد الفاتح بعد اتقانه للغة العربية، وكان من الأوائل في اجادة كل من اللغات التركية والعربية والفارسية والفرنسية خلال دراسته الإعدادية والثانوية.

التحق بمدرسة الملكية عام 1885، إحدى المدارس الشعبية في ذلك الوقت، وفي عام 1888 أثناء التحاقه بالتعليم العالي فقد والده.

تعرضت عائلة آرصوي الى نكبة جديدة بعد عام من وفاة والده، حيث شب حريق كبير في حي الفاتح وتسبب بدمار منزلهم ما جعل احوالهم المادية تتدهور، الى أن قام أحد طلاب والده ويدعى “مصطفى سيتكي”، ببناء منزلا جديدا للعائلة على نفس قطعة الأرض التي وقع بها الحريق.

التحق آرصوي بالمدرسة الزراعية والبيطرية (مدرسة الزراعة والطب البيطري)، والتي كانت أول مدرسة بيطرية مدنية جرى افتتاحها حديثا في تلك السنوات، لرغبة منه بالحصول على مهنة مختلفة.

كما كانت لديه اهتمامات بالرياضة خلال سنوات دراسته، وشارك في مسابقات المشي الطويل والجري والرمي خاصة في المصارعة والسباحة.

بداية مشواره الأدبي

تخرج محمد عاكف آرصوي من القسم البيطري محققا المركز الأول عام 1893، فيما كانت ميوله الى الأدب والشهر تبزغ وتظهر على اهتماماته.

كما عمل في تدريس اللغة التركية، وتزامن ذلك مع نشره قصائده ومقالاته في مجلة ثروة الفنون المصورة (Servet-i Fünun Dergisi)، وكان أول عمل أدبي نُشر له بعنوان “دعوة إلى القرآن” المكونة من 7 أبيات، في هذه المجلة عام 1895.

انتقل آرصوي بعدها الى الخدمة العسكرية، حيث خدم في روميليا والأناضول والجزيرة العربية لمدة 4 سنوات، وقد أثرت هذه الرحلات بشكل كبير على فكر محمد عاكف آرصوي وحياته الأدبية.

وتزوج من سيدة تدعى عصمت هانم عام 1898، وهو في الـ25 من عمره، واستمر، بنُشر أشعاره وترجماته من العربية والفارسية والفرنسية في مجلة معارف ومجلة ثروة الفنون المصورة.

وأبدى آرصوي اهتماما بمؤلفات الشيخ محمد عبده، الذي ترجم له “الإسلام بين العلم والمدنية” (1901)، ردا على وزير الخارجية الفرنسي آنذاك غابرييل هانوتو، الذي أعاد أسباب تأخر المسلمين إلى الإسلام نفسه، كما ترجم إلى التركية كتاب “اعتناق الإسلام”.

في عام 1906، عين مدرسا في مدرسة هالكالي الزراعية، وفي عام 1907 عين كمدرس للغة التركية في مدرسة المكائن الزراعية.

وجرى تعيينه مديرا مساعدا لقسم Umur-i Baytariye في إسطنبول عام 1908، خلال الفترة التي أعلن فيها النظام الملكي الدستوري الثاني.

وفي الفترة بين عامي 1908-1910أصبح محمد عاكف آرصوي رئيس تحرير صحيفة الصراط المستقيم (Sırat-ı Müstakim dergisi)، ونشر في هذه المجلة قصائده الأكثر شهرة، وهي السلة “Küfe” وسيفي بابا “Seyfi Baba”.

كما خدم في مناصب مختلفة خلال حرب البلقان، وحروب تشانكالي وحرب الاستقلال، وذهب إلى ولاية باليك إيسير (Balıkesir) في 6 فبراير/شباط 1920 لإلقاء خطبة حماسية للغاية في مسجد زاغنوس باشا.
ومع بداية حرب الاستقلال بزعامة مصطفى كمال، استقال محمد عاكف من عمله الحكومي، والتحق بالمعركة خطيبا وشاعرا متجولا يثير حماسة الأتراك للمشاركة في الدفاع عن وطنهم أمام الاحتلال البريطاني والفرنسي واليوناني.

وانتخبته بلدة بوردور (جنوبي غربي تركيا) لتمثيلها في “المجلس الوطني الكبير”، الذي افتتح في أنقرة في أبريل/نيسان 1920.

 النشيد الوطني التركي

بزغت فكرة كتابة النشيد الوطني بعد مرور عام على تأسيس البرلمان يوم 23 أبريل/نيسان 1920، وإعلان الشعب التركي السيادة على الأرض التي أصبحت تعرف باسم تركيا.

وعملت وزارة التعليم آنذاك على تنظيم مسابقة لاختيار النشيد الوطني بعد ما حظيت الفكرة بالدعم، ووضعت جائزة قدرها 500 ليرة تركية للفائز، وطلبت الوزارة من المشاركين كتابة نشيد وطني للتعبير عن روح حرب الاستقلال، والانتصار الكبير، وإعلان الجمهورية التركية.

قُدمت في المسابقة أكثر من 700 قصيدة، ورغم ذلك لم تقتنع الوزارة بأي منها لأن تكون مناسبة للتعبير عن مشاعر الامة، حينها طلب وزير التعليم حمد الله صبحي تانري أوفر من أرصوي الذي كان نائبا في البرلمان كتابة قصيدة لتكون نشيدا وطنيا.

ويقع منزل أرصوي الذي كتب فيه نشيد الاستقلال الوطني في “أتنداغ” أحد أقدم أحياء أنقرة، وانتقل إليه قادما من إسطنبول في عشرينيات القرن الماضي.
واقتنع آرصوي بتشجيع من صديقه حسن البصري بك بالمشاركة في المسابقة، ليفوز شعره بالمسابقة من بين 724 قصيدة شاركت بها، وتم قبول القصيدة يوم السبت 12 مارس /آذار 1921، والتي لحنها عثمان زكي أنجور في عام 1924، كنشيد رسمي للجمهورية التركية حتى اليوم.

كلمات النشيد الوطني التركي “قصيدة محمد عاكف آرصوي”

لا تحزنْ، لن تخمدَ الرايةُ الحمراءُ في شفقِ السماءْ

قبلَ أن تخمدَ في آخرِ دارٍ على أرضِ وطني شعلةُ الضياءْ

إنها كوكبٌ سيظلُّ ساطعاً فهي لأمتيَ الغراءْ

إنها لي ولشعبي دونَ انقضاءْ

هلالَنا المدلل، أرجوكَ لا تقطبْ حاجبَ الجمالْ

ابتسمْ لعرقي البطلِ ! ما هذهِ الهيبةُ وذاكَ الجلالْ؟

وإلا لن تصبحَ دماؤُنا الزكيةُ لكَ حلالْ

من حقِّ أمتي التي تعبدُ الحقَّ الاستقلالْ

كنتُ حراً منذُ الأزلِ وأحيا حراً

أيُّ أرعنٍ يقيدُني بالسلاسلِ ، ما أعجبه أمراً !

إنني كالسيلِ الهائجِ أكسرُ السدودَ وأندفع فوراً

أحطمُ الجبالَ ، أملأُ الأرجاءَ ، أنتفض فيضاً

لو أحاطَ الجدارُ المدرعُ آفاقَ الغربِ

فإن حدودَ بلادي في صدري كالإيمانِ الصلبِ

لا تخفْ فأنت الأعزُّ وليست لخنقِ الإيمانِ بالغالبِ

تلك الحضارةُ التي ما هي إلا وحشٌ وحيدُ النابِ

يا صاحبي، إياكَ أن تجعلَ الوطنَ عرضةً للأدنياءْ

كن سداً منيعاً أمامَ الغزوِ السافرِ كالأقوياءْ

فستشرقُ تلكَ الأيامُ التي وعدَها اللهُ للعظماءْ

ومن يدرِ لعلَّ غداً أو قبلَه ينتشرُ الضياءْ

لا تحسبنَّ ما تحتَ رجليكَ تراباً وأيقنْ

واحتسبْ لآلافِ الراقدينَ من دونِ كفنْ

أنتَ ابنُ الشهيدِ لا تؤذِ الأجدادَ واركنْ

لا تفرطْ بجنتكَ ولو أعطوكَ الكونَ بلا ثمنْ

من منا لهذا الوطنِ الجنةِ لا يقدمُ نفسا ؟

تفيضُ الأرضُ بالشهداءِ لو لمستَها لمسا !

بروحي وحبي وملكي للهِ طبتُ نفسا،

إلا الوطنَ لا أستطيعُ دونَه العيشَ أنسا

تتضرعُ نفسي لكَ يا إلهي بالدعاءْ

لصون المعابدِ من الأيدي الملطخةِ للأعداءْ

ليبقى الأذانُ بالشهادةِ صادحاً في العلاءْ

فهو عمادُ ديني يتخلدُ في وطني بالجلاءْ

ويسجدُ لكَ شاهدُ قبري وإن يكُ حينئذٍ بالوجدْ

بدموعٍ داميةٍ يا إلهي من كلِّ جرحٍ للفؤادْ

فيقفزُ نعشي من الأرضِ كالروحِ المجردْ

وتسمو هامتي لذرا العرشِ بامتدادْ

رَفرفْ كالشفقِ الأحمرِ يا أمجدَ هلالْ

لتكنْ دماؤُنا كلُّها لكَ حلالْ

لن يصيبَك ولا عرقيَ الاضمحلالْ

والحريةُ من حقِّ رايتي الحرة لا جدالْ

ومن حقِّ أمتي التي تعبدُ الحقَّ الاستقلالْ

وفاة محمد عاكف آرصوي

غادر آرصوي الى مصر بعد نصر سكاريا عام 1921، بسبب امعان مصطفى كمال أتاتورك بطمس الهوية الإسلامية في البلاد على حساب الهوية العلمانية، وعمل في مصر على ترجمة القرآن الكريم والتدريس، وأصدر كذلك آخر ديوان له.

تمثال محمد عاكف آرصوي في قونية

في صيف 1936 شعر آرصوي بمرض شديد ليذهب على اثره الى لبنان عام 1935 بهدف العلاج، ثم انتقل الى أنطاكيا في 1936، ومع اشتداد مرضه ويقينه بأنها القاضية، انتقل عاد الى إسطنبول وتوفي هناك في 27 كانون الأول/ ديسمبر، ودفن في مقبرة شهداء إدرنة كابي.

رد الاعتبار

حمل وصول حزب العدالة والتنمية إلى الحكم (2002)، متغيرات جديدة لم تكن لترى النور في السابق، إذ كان تشييع محمد عاكف آرصوي في 1936 قد جرى وسط تجاهل رسمي كامل، مع أنه كان من الأعضاء المؤسّسين لـ”المجلس الوطني الكبير” ومؤلف “نشيد الاستقلال”، الذي كان له دوره في حرب الاستقلال وبقي يُنشد حتى الآن، وقد أعيدت طبع دواوينه وافتتحت جامعة تحمل اسمه في مدينة بوردور.


ولكن أردوغان، المعجب بشكل كبير بتراث الشاعر الراحل، انتهز فرصة منحه دكتوراه فخرية من قبل “جامعة محمد عاكف” في 2016 ليقول في كلمته عن الشاعر، التي أشادت أولاً بدوره في حرب التحرير وبتأليفه لنشيد الاستقلال، إنه “يستحق أن يكون شاعر الوطنية”.

أهم قصائد محمد عاكف آرصوي:

تناولت قصائد محمد عاكف آرصوي المشكلات الاجتماعية والقضايا الفلسفية والدينية والسياسية والأخلاقية، وجاءت في 7 دواوين شعرية، وأشهر تلك القصائد والتي ما زالت عالقة في الوجدان التركي:

1- قصيدة “المراحل” (1911)

2- “محاضرة في السليمانية” (1912)

3- “أصوات الحق” (1913)

4- “محاضرة في الفاتح” (1914)

5- “مذكرات” (1917)

6- “عاصم” (1924)

7- “الظلال” (1933)

اقرأ أيضا: أردوغان يحيي الذكرى 86 لوفاة شاعر نشيد الاستقلال

اقرأ أيضا: نجم الدين أربكان.. عراب الإسلام السياسي في تركيا

 


اكتشاف المزيد من مرحبا تركيا

اشترك للحصول على أحدث التدوينات في بريدك الإلكتروني.

محرر مرحبا تركيا

اترك رد

اكتشاف المزيد من مرحبا تركيا

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading