• 2 يوليو 2022
 مفهوم “الوسط” و”ديمقراطيّة المعرفة والمشاركة”

مفهوم “الوسط” و”ديمقراطيّة المعرفة والمشاركة”

مفهوم “الوسط” و”ديمقراطيّة المعرفة والمشاركة”

الدكتور سمير حسن عاكوم – باحث وناشط سياسي واجتماعي- لبنان – أجمعت النظريات السياسية والإجتماعيّة على أن النهوض بالدول يتطلب تعزيز الطبقة الوسطى في المجتمع وتوسيع مكانتها على مختلف الأصعدة، فهذه الطبقة هي الأكثر ارتباطًا بالقيم وتحافظ على وضعها الإجتماعية من خلال تعزيز المستوى التعليمي والثقافي والنجاح الوظيفي بالعمل الدؤوب، وبالتالي فإن فتح المجالات أمام طاقاتها وكفاءاتها في تولي مسؤوليات العمل السياسي، الإدارة العامة، إضافة الى العمل في القطاعات المنتجة يسمح بتطوير قطاعات الدولة وزيادة الإنتاج وتحقيق الإزدهار.

مفهوم الوسط

بداية نقول بأن مفهوم “الوسط” مرتبط بمصلحة المواطنين والمحافظة على قيم المجتمع الجامعة، وهذا المفهوم بعيد عن الإنحياز الأعمى لنظريات ايديولوجية اليمين واليسار المسيطر على الإطار السياسي المتعارف عليه.

ينطلق مفهوم “الوسط” من السعي الدؤوب لتحقيق دولة الحقوق الراعية على مبادئ العدالة والإنصاف الإجتماعي، ولقد شددت العديد من الدول الليبرالية المتطورة على تعليم هذين المفهومين، وتوضيح ماهية الفرق بينهما في علم الإقتصاد، لتكون العدالة هي التساوي في الحصول على نفس التقديمات عند من يمتلك مواصفات ومعايير متشابهة، في حين أن مفهوم الإنصاف يقوم على دعم الإحتياجات الرئيسية بحسب حاجة المواطنين.

فعلى صعيد الصحة نجد تفاوتًا في الحاجات بحسب المرحلة العمرية، فالأطفال وكبار السن يتطلبان تكاليف رعاية صحية أكثر من غيرهم، كما يحتاج أصحاب الإحتياجات الخاصة ومن يعاني من أمراض مستعصية ومزمنة تقديمات صحية أكثر من باقي المواطنين.

أما على صعيد المواصلات، يحتاج من يسكن في المناطق النائية والبعيدة الى إنصافه بدعم شبكة المواصلات التي يسلكها من الأموال العامة ليتساوى بالتعليم والإستفادة من الخدمات الصحية مع الآخرين ولا يضطر للنزوح أو الهجرة، إذًا هذا النوع من الدعم يسمح بتحقق تكافؤ الفرص بين المواطنين، وبسمح بالتالي بتعزيز متانة، صلابة وتكافل المجتمع ليصبح مجتمع قوي ومتماسك، فاعل ومسؤول.

من هنا تعتبر هذه الدول أن الصحة، التعليم والمواصلات هي السبل المثلى لتعزيز “الطبقة الوسطى” وتحقيق هدف غنى دولة الحقوق الراعية القوية والمتماسكة بعيدًا عن التدخل الخارجي الذي قد يستغل ضعف تماسكها، وبالتالي فإن دعم هذه القطاعات والعمل على زيادة فعاليتها باستمرار (زيادة مستوى الكفاءة وتخفيض التكلفة)، وفق مقاييس تصنيف المستفيدين الى مجموعات، فالتلميذ في كندا مثلًا قد يدفع مبلغ 25 دولار ثمن تذكرة المواصلات الشهرية، في حين أن آخرين يدفعون ثمن نفس التذكرة 100 دولار، والمعيار نفسه يمكن تطبيقه على فواتير التعليم وغيرها من احتياجات المواطنين الرئيسية.

من جهة أخرى شددت الأنظمة الإشتراكية على مبدأ العدالة الإجتماعية والمساواة في دعم القطاعات الأساسية بين الجميع، ولم تتطرق كثيرًا لمفهوم مبدأ الإنصاف الذي تكلمنا عنه.

إن تحقيق مبدأ “الوسط” في بناء الدول يسمح بمعالجة انسانية أوسع لكافة مشاكل المجتمع، ويفتح مجال التواصل مع التنوع الفكري والثقافي والإنتاجي وتفاوت المستوى المالي والإجتماعي بما يحقق تطوير حيثيات مشاركة الطبقة الوسطى في اتخاذ القرارات، من غير أن يؤثر سلبًا على الإستثمار ويسمح بفتح باب المنافسة أمام الشركات لتطوير الإنتاج وزيادة الثروات، بشكل يتوافق مع قيمة الإنسان في مجتمعه وسعيه المستمر لخدمة هذا المجتمع وتطويره بإستمرار مستفيدًا من الكفاءات والأفكار المتجددة ، وليس بالتركيز فقط على الثروات الخاصة والإنتماء لعائلات السلطة والمال.

إذًا فشعار غنى المجتمع يرتكز على القطاعات الثلاث التي ذكرناها إضافة الى غنى البيئة التي يحتاجها الجميع في الصحة البيولوجية كما النفسية والإجنماعية.

إضافة الى دعم القطاعات التي تضمن تطوير طبقة “الوسط” هناك ضوابط متعلقة بالقوانين الصارمة التي تجعل من التعدي على حرمة المال العام مهما كان حجمه أخطر بكثير من حرمة التعدي على الأملاك والأموال الخاصة، فمن يسرق شخص يكون قد تعدى على حقوق مواطن واحد، بينما من يتعدى أو يسرق المال العام يكون قد تعدى على كرامة وحرمة كل الشعب دون أي استثناء، ومن الطبيعي أن تكون عقوبته أضعاف مضاعفة عقوبة من سرق أموال خاصة ويكون واجب استرداد حقوق الشعب من المقدسات التي لا يسمح بتجاوزها مهما كان حجم السرقة.

نشير الى أن النص الديني يؤكد أيضًا أهمية مبدأ “الوسط” و”الطبقة الوسطى” ففي القرآن الكريم تنص الآية 143 من صورة البقرة ” وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَٰكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا۟ شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِ وَيَكُونَ ٱلرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا” أي أن مبدأ “الوسط” هو أساس التعامل بين كل البشر ومع كل الرسالات، دينية كانت أو مدنية، وهي بالتالي منطلق أساسي لمواجهة الإنعزال، العنصرية، السادية البغيضة، الإستعمار، الإستعباد والإستحمار، الكره ورفض الآخر المختلف و… وصولًا لحسن معالجة التهميش وضياع الهوية، وثقافة اللامبالاة والخضوع وغيرها الكثير.

مبدأ الوسط

نعم، إن مبدأ “الوسط” هو مفتاح كل مشروع تغييري للمجتمعات الإنسانية، ولا قيامة لأي دولة أو مجتمع من دون الإستثمار بتوسيع دائرة وفعالية الطبقة الوسطى لتكون هذه الطبقة ومفهوم الوسطيّة هي أساس بنية أي دولة حديثة ومتطورة. ولكن مبدأ “الوسط” هذا لا يمكن تحقيقه دون مجموعة متكاملة من البرامج، تسمح بأن يكون تبادل الآراء وتطوير التفكير المشترك والتعاون في العمل نمط للتعامل بين أصحاب القرار وعلى كافة الأصعدة. هذا الأمر يتطلب برامج تعليمية حديثة مترافقة مع نمط تنظيمي اداري يتطور بإستمرار، فالقاعدة التنظيمية تقول “بأن من يريد الذهاب سريعًا عليه أن يذهب لوحده، أما من يريد الذهاب بعيدًا فعليه أن يذهب ضمن مجموعة منظمة” ومن المهم التفكير برؤية من يريد الذهاب بمجتمعه بعيدًا الى حيث التطور والإزدهار والتماسك.

ما ذكرناه يمهد لتوضيح ماهية وأهميّة تعزيز قواعد “ديمقراطية المعرفة والمشاركة”، هذا المفهوم يتناقض ومفهوم “الديمقراطية العددية” التي يستغلها في الغالب سيطرة تحالف “المال والإعلام” في مجتمعاتنا، لأن هدفهم وببساطة  أخذ المعطيات والشعارات البراقة الى مربع خدمة مصالح الزعماء وارتباطاتهم الخارجية، وبما يسمح بصنع زعامات احتكارية تسيطر على الدولة وتستولي على خيراتها، أما “ديمقراطية المعرفة والمشاركة” فتتطلب مخاطبة المجتمع من خلال لغة العقول وتنافس البرامج وليس من خلال لغة الغرائز الطائفية والمناطقية، المعرفة هي أساس تحقيق مصلحة المواطنين لزيادة مشاركتهم ومساهمتهم في تعميم الخير لأنفسهم بإعتبارهم الجزء الفاعل من مجتمع يحتضن الجميع ويؤمن حمايتهم ومصلحتهم كما مصلحة كل المواطنين.

إن مشاركة المعرفة مع باقي الأفرقاء بما فيهم الأحزاب المنافسة، هو واجب يسمح بتعزيز التطوير المستمر ضمن المجموعة السياسية الواحدة، وخلق أجواء عدوى ايجابية تطال كل المجموعات، وهو ما يطلق عليه “مبدأ تلاقح الأفكار” الكفيلة بخلق أفكار جديدة ورؤية ابداعية تخدم كل المواطنين.

إن مفهوم “خدمة القطاع العام” ضمن مبدأ “الوسط” يهدف الى تحقيق غنى المجتمع وزيادة تماسكه وتفعيل قوته البنيوية، ليتكامل مع فتح المجالات ضمن ضوابط مصلحة الدولة ورجال الأعمال لتعزيز وتطوير الإستثمار، وبالتالي معالجة مشكلة البطالة دون أي تدخل في العمل السياسي أو في عمل الإدارة العامة، وليكون أيضًا عمل الجمعيات الخاصة مساندًا لعمل وزارة الشؤون الإجتماعيّة في الإدارة العامة وليس بديلًا عنها، ومن غير المسموح لرجل السياسة أن يجمع بين العمل السياسي والتأثير على نمط عمل خدمة القطاع العام ومحاولة السعي للإستفادة من هذا القطاع في تطوير استثماراته والترويج لنفسه من خلال جمعيات خاصة يمتلكها وتديرها زوجته أو أحد أفراد عائلته، من شأن هذا الجمع حرف العمل السياسي عن مساره الطبيعي والقضاء على الإنتاج وتحويل العمل الإجتماعي من خدمة المجتمع الى اذلال المواطنين.

أخيرًا نقول بأن مبدأ “الوسط” وتعميم مفاهيم “ديمقراطية المعرفة والمشاركة” هي انطلاقة جديدة في العمل السياسي الحديث، نحتاجها بقوة ليكون مجتمعنا منسجمًا مع نفسه ويمتلك قوة داخلية متفاعلة بإستمرار، تسمح بتطوير البيئة الإجتماعية اللبنانيّة وتأهيل الشباب اللبناني للعب دورهم الريادي المطلوب على الصعيدين الإقليمي والعالمي.

لنعمل معًا على توسيع دائرة “مفاهيم “الوسط” وتعميمها في محيطنا العربي لنكون أمة تستحق الحياة ولنعمل على تعزيزها من خلال تطوير مفاهيم “ديمقراطية المعرفة والمشاركة” وقواعدها البنائية.

ملاحظة: الآراء السياسية الواردة في المقال تعبر عن كاتبها.

اقرأ ايضا: مشروع تركيا لإنتاج الغواصات محلية الصنع

اقرأ ايضا: غارات إسرائيل هزلية المسرحية وعبثية الإقناع!

اقرأ ايضا: “بايدن” يتعهد بالدفاع عسكرياً عن تايوان اذا ما قررت الصين غزوها

اقرأ ايضا: “تشاووش أوغلو” يبحث هاتفياً مع نظيره السعودي العلاقات الثنائية بين البلدين

فريق التحرير

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.