الكاتب فايز الأسمر -باحث في القضايا السياسية والأمنية الشرق أوسطية – بعد لبنان والعراق الذي سيطرت فيه طهران إلى درجة كبيرة على مفاصل القرار السياسي والعسكري؛ وربما حتى الإجتماعي والإقتصادي، وبعد سنوات كثيرة مرت على بدء التمدد الإيراني داخل الأراضي السورية من شرق البلاد لغربها ومن شمالها لجنوبها، وبعد مئات الضربات الصاروخية والغارات الاسرائيلية (الأمريكية) المجهولة وغير المجهولة التي نفذتها اسرائيل ولاتزال تنفذها بهدف الحد من التمدد والتموضع والإنتشار للحرس الثوري الايراني والميليشيات الولائية، التي تهدف وحسبما تدعي “تل ابيب” على مايبدو زورا وبهتانا، أن غايتها تهديد أمنها القومي.
غارات إسرائيل هزلية المسرحية
وهنا يتوجب علينا أن نعيد التفكير ونجري محاكمات عقلية علنا نخرج بالعديد من الإستنتاجات أو طرح التساؤلات التي يجبرنا على أثارتها وطرحها والخوض فيها الواقع الميداني السوري وتطوراته السياسية والعسكرية خلال إحدى عشر من السنوات. الدموية العجاف التي مرت على سورية وشعبها، وإجراء كشف سريع للحسابات حتى نتفهم وندرك ونستوعب القليل مما يحدث، وبناءا على ماتقدم لعل هذه الاسئلة والاستفسارات التي لاتخلو من الإجابات أن توضح لنا شيئا مما يحدث ؟
- هل تستطيع “إسرائيل” وواشنطن أن تنكرا أنهما ولمنع سقوط وتهاوي النظام المجرم خلال السنوات الأولى للثورة؟ لم تقوما بغض الطرف و(أذن من طين واخرى من عجين) عن إيران وحرسها الثوري وميليشياتها الطائفية العابرة للحدود، وعن حزب اللاة الارهابي والسماح لهم بالتدفق إلى الأراضي السورية لقمع الثورة بل ووأدها، وارتكاب كافة أنواع الجرائم الدموية والتشريد والتصفيات بحق الشعب السوري، والوقوف بقضهم وقضيضهم إلى جانب نظام الأسد الطائفي المجرم بائع أحامي أمن اسرائيل وحراسة حدودهم لأكثر من 50 عاما
- هل تستطيع إسرائيل أن تجيبنا على سؤالنا المحرج الذي وبالتأكيد لا جواب صريح له عندها ؟ لماذا لم تستهدف تل أبيب بين عامي 2011 و 2014 أية مواقع أو انتشارات وتموضعات إيرانية في سوريا، عندما كان النظام الدموي المجرم في أضعف وأسوأ حالاته ؟ وهل هذا محض صدفة ؟. أم لتمكين إيران بداية من تنفيذ الهدف المشترك وغير المعلن بين الطرفين وهو انقاذ نظام الأسد عسكريا ومنع تهاويه وسقوطه، وكبح جماح الشعب السوري السني الثائر، و السعي الحثيث لإخماد ثورته وإبقاءه تحت نير عُبوديةٍ لنظام طائفيٍ مجرم كما حدث لسنة العراق، والعمل المشترك لاحقا مع موسكو لتعويم نظام الأسد.
- هل إسرائيل هي حقا بهذه السذاجة العملياتية والتكتيكية ؟ ولا تعي وتدرك أن غاراتها النقطية المتباعدة بهذا الشكل الاستعراضي لا تأخذ ثاراً ولا تطفئ ناراً، وما هي إلا لعبة قط وفأر، ووفقاً للعرف العملياتي ليست إلا مجرد ضربات وغارات استنزافية محدودة النتائج لا تسمن ولا تغني من جوع، ولن تستطيع إسرائيل ولا غيرها بهذا الشكل من الغارات أن توقف الزحف والتمدد الإيراني المستمر والمتجذر منذ سنوات عديدة داخل الأراضي السورية.
وإذا كانت إسرائيل جادة فعلا ميدانيا، وهذا أمر مستبعد بالمطلق، في تقزيم دور إيران وإيقاف تغول حرسها الثوري وأذرعها في سوريا، إذا لم يكن هناك هجوما بريا مساعدا مدعوما من أحد أصحاب النفوذ الموجودين على الساحة السورية؛ فيجب أن تكون تلك الغارات وبأقل تقدير يومية ومتواصلة ومتزامنة وكثيفة، وبالجهد الأعظمي وتستهدف كامل التموضعات والتمركزات الإيرانية، داخل وعمق الجغرافيا السورية مع تغطية ورصد كامل الشريط الحدودي المشترك مع العراق، والمعابر الغير شرعية التي تتدفق من خلالها موجات العدة والعتاد التي تزود بها تلك الميليشيات الولائية وتقويها، وإلا فأجد أنه من الأفضل أن تنهي إسرائيل فصول مسرحيتها هذه وتوفر جهدها وذخائرها وصواريخها، علها تنفعها في حروب أخرى قد تكون قادمة.
اقرأ ايضا: قرار جديد يسمح لليهود بالصلاة جهراً في باحات المسجد الأقصى
- هل تستطيع طهران أن تجيبنا على سؤالنا واقناعنا لماذا صمتها المخجل والمذل هذا على كل هذا الكم من الضربات والغارات الإسرائيلية التي تستهدف وجودها ومصالحها في سورية منذ أعوام خلت ولاتزال؟ ، مع العلم أن طهران تملك الإمكانيات العسكرية للتقليل من نتائج هذه الغارات أو ردعها والحد منها، وهذا يدلنا وبلا أدنى شك أيضا على أن هناك تمثيلية محبوكة يراد من خلالها تحقيق أهداف خفية أكبر.
- هل تستطيع إسرائيل وواشنطن أن تنكرا أنهما جعلتا من إيران بعبعا، واستخدمتها كفزاعة لابتزاز دول الخليج العربي واستنزافهم ماليا بصفقات الأسلحة والاتاوات؛، وخاصة أن إسرائيل قد عرضت في تسعينات القرن الماضي على دول الخليج وعبرت عن استعدادها للقيام بدور الشرطي لحمايتهم من أية تهديدات إيرانية محتملة قد تطال أمن بلادهم القومي، وهذا يوصلنا ويسلط الضوء أيضا على الخدمة التي قدمتها إيران لاسرائيل وكانت السبب المباشر للتهافت العربي للتطبيع العلني السافر والمذل مع اسرائيل.

العلاقة السرية بين البلدين
ختاما أن هذه التمثيلية والعداء المسرحي والحرب الكلامية بين إسرائيل وايران لن تستطيع أن تمحو أبدا من أذهان المفكرين والمهتمين علاقة الدولتين السرية المشبوهة وغير الشرعية ببعضهما، والواقع وفقا للمعطيات يوحي لنا أيضا أن نستبعد أي مواجهة مفتوحة قريبة محتملة حول الملف النووي أو غيره، أو حتى التفكير بها أقلها في هذه الأوقات.
اقرأ ايضا: الجيش الروسي تخبط واستنزاف دامي في المستنقع الأوكراني
اقرأ ايضا: الشبح التركية.. طائرة أقينجي المسيرة التركية تحلق 2000 كيلو متر
فالمواجهة العسكرية بين الطرفين تعني التفريط والإستغناء النهائي عن الخدمات التي يقدمها كل طرف للآخر، وقد ينذر بانتهاء التقاطع المثير للدهشة للمصالح المشتركة بينهما؛ وخاصة أن كلا الطرفين في هذا العداء المسرحي هو رابح من شكل هذه العلاقة، وتأتي النتائج لصالحهما أقلها في مواجهة واضعاف “المحور العربي السني” الذي تجلى من خلال التمزق والضياع العربي الواضح الذي جاء ايضا ليصب في مصلحة الطرفين، الذين كان لهما الدور الأكبر الساعي لافشال ثورات الربيع العربي والابقاء على الشعوب العربية السنية مقموعة مضطهدة لا تفكر بأكثر من تحصيل قوت يومها.
ملاحظة: الآراء السياسية الواردة في المقال تعبر عن كاتبها.




































