إعداد : حمزة حيدرة
أعلن الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون عن قرار إنشاء مناطق تجارة حُرَة مع ثلاثة دول في الساحل، وكشف عن قرب تحقيق 13 مليار دولار صادرات خارج المحروقات.حيث قال إنه تقرر الإسراع في فتح مناطق حُرَّة مع كل من موريتانيا ومالي والنيجر، تَخُصُ المواد والمنتجات الزراعية.
التجارة الْحُرَّة الإفريقية.. الْفُرَصُ و الآمال
كما تسعى الجزائر إلى زيادة صادراتها الزراعية باتجاه دول الساحل القريبة من حدودها الجنوبية، واستيراد بعض المنتجات الاستوائية المتوفرة في هذه الدول، وَتَحْكُمَ التجارة بنظام المقايضة الذي يقوم على تبادل سلع بسلع.
إذ تسمح السلطات للتجار الجزائريين بالتصدير والمقايضة لصالح تُجَار النيجر ومالي، بما يخص التمور الْجَافَّة والملح الخام والمنزلي والأغراض المنزلية كالبلاستيك والأواني البلاستيكية والألمنيوم والحديد والفولاذ والبطانيات والألبسة والصابون والزيتون وزيت الزيتون ومواد التنظيف، كما تتيح لهم في المقابل بأن يستوردوا من النيجر ومالي الماشية من الأبقار والأغنام والماعز والْجِمال والحناء والشاي الأخضر والتوابل والذرة والمانغا وأغذية الأنعام (العلف) والفول السوداني والمكسرات بكل أنواعها والفواكه الأفريقية والأناناس وجوز الهند.
سعياً لتحقيق هاته الغاية، تَقَرَرَ تدعيم خطوط النقل الجوي بين الجزائر والعمق الأفريقي بفتح خطوط جوية جديدة مع كل العواصم الأفريقية، وهو ما سيساعد في زيادة نقل السلع والبضائع الْمُصَدَرَةِ من الجزائر.
فالرئيس تبون جَدَّدَ دَعْمَهُ للشركات والْمُصَدِرِين الجزائريين، وأعلن قرار إنشاء المجلس الأعلى للمصدرين في أقرب وقت،إذ يتولى مساعدة الْمُصَدِرِين وتذليل العقبات والتنسيق مع السلطات بشأن التصدير و بهدف تشجيع الشركات الوطنية على مزيد من تحسين مستوى الإنتاج، وتغطية حاجات السوق المحلية والدخول إلى رواق التصدير، حيث تعمل السلطات على توفير كافة سُبُل التسهيلات لذلك.
منطقة التجارة الْحُرَّة الافريقية إعادة رسم العلاقات التجارية
لو أُنْشِئَت منطقة التجارة الْحُرَّة الإفريقية بالمميزات الْضَّخْمة الْمُخَطَطِ لها فإنها سَتُمَكِّن إفريقيا من إعادة ترسيم علاقاتها التجارية بمميزات وشروط أفضل، مع القوى العظمى مثل الصين وروسيا وحتى الاتحاد الأوروبي.

إذ تُعْتَبَرُ منطقة التجارة الْحُرَّة للقارة الإفريقية في منظورها العام أكثر بكثير من مجرد اتفاقية تجارية، حيث يُنْظَرُ إليها على أنها أداة مُكْتَمِلَةِ الأركان لتنمية إفريقيا، من خلال دَفْعِهَا بشكل استراتيجي إلى تكامل القارة، وتضع الأسس الراسخة لإحداث ثورة صناعية وتجارية وبالتالي توفيرها لفرص الأعمال والوظائف في إفريقيا، وهي أيضًا اتفاقية تجارية طَمُوحَةٌ لتشكيل أكبر منطقة تجارة حُرَّة في العالم في حال تم بالفعل تنفيذها، فهي تربط ما يقرب من 1.3 مليار شخص عبر 55 دولة إفريقية تمثل الدول الأعضاء في الاتحاد الإفريقي. والهدف هو الوصول إلى التكامل الاقتصادي المنشود بالقارة الافريقية، سعيًا لتحسين مَنَاخ الاستثمار والاستغلال الأمثل للموارد المتاحة.
كيف بدأت وأين وصلت؟
نشأت منطقة التجارة الْحُرَّة للقارة الإفريقية بناءًا على رغبة مُتَبَادَلَة للدول الأعضاء في الاتحاد الإفريقي لضمان فرص عمل، وحياة أفضل للشعوب الإفريقية وتوفير سبل علاج مستدامة للعديد من المشاكل الاجتماعية والاقتصادية التي تَعُجُّ بها القارة.
حيث وقَّعت حتى الآن 54 دولة عضوًا بالاتحاد الإفريقي على اتفاقية إنشاء منطقة التجارة الحرة الإفريقية. كما أن 43 دولة عضوًا في الاتحاد الإفريقي هي دول أطراف في الاتفاقية ، مما يدل على إرادة سياسية ثابتة لتحقيق تكامل السوق في إفريقيا، إذ تعهدت الدول الإفريقية ككتلة واحدة، بناء على اتفاقية التجارة الْحُرَّة ، بتحرير التجارة في معظم تعاملاتها التجارية من خلال إلغاء التعريفات الجمركية على 97% من عامة الرسوم والمدفوعات. ومنذ بدء التنفيذ وحتى الآن قَدَّمَت 44 دولة من أعضاء الاتحاد الإفريقي عروضها التعريفية، وهي خطوة جيدة نحو التنفيذ الفعلي والاستفادة الكاملة من الاتفاقية.
فُرَصُ الْتَنْمِيَة في القارة السمراء
بطبيعة الحال، تَهْدِفُ هذه المنطقة التجارية الْحُرَة إلى إنشاء سوق مشتركة مُوَحَدَة للسلع والبضائع، من أجل تعميق التكامل الاقتصادي لإفريقيا، وفي هذا الصدد تشير التوقعات إلى أن الاتفاقية يُمْكِن من خلالها أن يبلغ إجمالي الناتج المحلي للمنطقة المعنية حوالي 3.4 تريليونات دولار، ولكن من أجل تحقيق هذا الهدف الْمُتَكَامِل لإمكاناتها سيعتمد ذلك بشكل كبير على إصلاحات سياسية مهمة، وتدابير ضرورية لابد أن تُنَفِذَهَا الحكومات من أجل تيسير التجارة عبر الدول الإفريقية الْمُوَقِعَةِ والتي صادقت بالفعل على الاتفاقية.
وفقًا لتقديرات البنك الدولي الصادرة مؤخرًا، فإن تنفيذ اتفاقية منطقة التجارة الحرة للقارة الإفريقية سيسهم في انتشال 30 مليون شخص من الفقر المدقع و68 مليون شخص من الفقر المعتدل. وبحلول عام 2035، سيزداد حجم إجمالي الصادرات للدول الأعضاء بنسبة 29 % تقريبًا مقارنة بالنسب الحالية. وستزيد الصادرات بين القارات بأكثر من 81 %، بينما سترتفع الصادرات إلى البلدان غير الإفريقية بنسبة 19 %. وذلك كُلَّهُ من شأنه أن يَخْلُقَ فُرصًا جديدة لتنمية الْمُصَنِّعين والعمال الأفارقة، والحصول على أسواق أخرى أجنبية.
تُرَكِزُ منطقة التجارة الْحُرَة للقارة الإفريقية بشكل قوي على التنمية، وتُسَلِطُ الضوء بالتحديد على التنمية الاقتصادية والاجتماعية والْمُوَاءَمَة القانونية بين أهدافها، وتضمين جوانب أجندة 2063 الْمُعْلَنَة للاتحاد الإفريقي، والتي بموجبها تعطي الأولوية للتنمية الاجتماعية والاقتصادية الشاملة، وتربط نمو إفريقيا وتكاملها بأهداف التنمية المستدامة لإفريقيا،وَتَعْتَبِرُ فُرَصَ التنمية الرئيسية قائمة على عوامل محددة يمكن من خلالها تحقيق أهداف التنمية لاسيما ما يتعلق بقطاع التصنيع والزراعة والقطاع المالي وكذلك بناء القدرات للمرأة الإفريقية وتحريرها من الجهل وأعمال العنف ضدها.
تنمية الصناعة الخاصة بالزراعة
يُعْتَبَرُ هذا العامل بالتحديد من أهم بنود الأجندة التي كان من المفترض أن يُولِيهَا القادة الأفارقة أهمية كبرى لتحقيق الكفاية والأمن الغذائي ، ويمكن ذلك من خلال تعزيز التنمية الصناعية وبالتحديد التنمية الصناعية المتعلقة بالزراعة، والأمن الغذائي، من خلال توفير صندوق مالي حكومي خاص لكل دولة لتدعيم القطاع الزراعي وَمَنْحِهِ الأولوية على حساب قطاعات أخرى أقل أهمية، كما يمكن أن تلعب منطقة التجارة الحرة للقارة الإفريقية دورًا مهمًّا في تسهيل التجارة الْبَيْنِيَة في المنتجات الغذائية الزراعية من مناطق الفائض إلى مناطق العجز، وبالتالي استقرار أسعار المواد الغذائية وتحسين الأمن الغذائي والذي يُعْتَبَرُ من أهم القطاعات التي يجب أن تهتم بها القارة لتنميتها وإنقاذها من إذلال أزمات الجوع وطلب المعونة من الدول الأجنبية.
التنمية من خلال تشجيع الصناعة والتجارة
تشير تقديرات البنك الدولي إلى أنه في إطار زيادة إجمالي الصادرات بنحو 29%، فإن الصادرات الصناعية ستحقق أكبر المكاسب، مع زيادة التجارة الصناعية داخل إفريقيا بنسبة 110% وزيادة الصادرات الصناعية إلى بقية العالم بنسبة 46%. وهذا من شأنه أن يخلق فرص الحصول على أسواق أجنبية بأسهل الطرق الممكنة.
كما أن فرص التنمية في قارة إفريقيا متاحة بشكل كبير من حيث التركيز على كيفية استغلال أبناء القارة للموارد الطبيعية الضخمة التي تزخر بها إفريقيا، والتي جعلتها محط أنظار معظم المستثمرين حول العالم،
إن فرص التنمية متاحة في العديد من الميادين في القارة الإفريقية واتفاقية التجارة الْحُرَّة تُعَزِزُ هذه النظرية، فبإمكان الشباب الآن تنفيذ وابتكار المشاريع التجارية حتى الصغرى والمتوسطة للمبتدئين داخل إفريقيا وبإمكانهم تحقيق أرباح جيدة.
أبعاد الخطوة
وفي السياق، يعتبر الأستاذ الباحث بالمدرسة العليا للتجارة عبد القادر بريش، في تصريح له لوسائل الإعلام أن هذه المناطق الْحُرَة التي تأتي تطبيقاً لقانون المناطق الْحُرَّةِ الذي صادق عليها البرلمان لها عِدَةَ أبعاد، أولها الْبُعْد التجاري من خلال السعي لزيادة حجم التبادل التجاري وتشجيع الحركة التجارية عبر هذه المناطق التي تُمَثِلُ نقاطاً حدودية وما ينعكس إيجابياً على تنشيط التجارة وإنشاء القواعد اللوجيستية من تخزين ونقل وخدمات مُرَافِقَة وخلق مناصب الشغل، مضيفاً بخصوص البعد الثاني التنموي الاقتصادي، فهو يستهدف خلق حركة اقتصادية وتنموية وتثبيت السكان وتحسين معيشتهم ومستوى المرافق.
ويتابع بريش، أن نجاح هذه المناطق يتوقف على الطرف الجزائري، ومدى التحضير الجيد خصوصاً من الجانب اللوجيستي، باعتبار أن هذه المناطق تكون جاذبة للنشاط التجاري بسبب المزايا التي تمنحها حصرياً للمتعاملين، التي تعمل على تنظيم وتأطير أكثر لنشاط التصدير مع دول الجوار، مشدداً على أن فكرة المناطق الْحُرَّة في الجزائر قديمة تم إحياؤها بعد تَبَنِي السلطات إستراتيجية التنويع الاقتصادي، والتصدير خارج المحروقات، والتوجه نحو الأسواق الافريقية وبخاصة دول الجوار، الساحل الأفريقي، وقال إن لجوء الجزائر إلى المناطق الْحُرَّة جاء بعد نَجَاعَةِ التجربة في عديد الدول، مشيراً إلى أن النشاط في هذه المناطق الْحُرَّة يتمتع بجملة من المزايا الجمركية والضريبية.
الجزائر تُسَرِّعُ بناء الطريق العابر للصحراء… نحو أفريقيا
تَضَعُ السلطات الجزائرية مشروع الطريق العابر للصحراء ضمن أولوياتها الاقتصادية على الصعيد الإقليمي، وهي تدفع نحو تسريع تنفيذه في أقرب الآجال، وفي سبيل ذلك، كَثَّفَت المشاورات مع الدول الخمس التي تتشارك فيه، وهي تونس والنيجر ومالي وتشاد ونيجيريا،و كانت قد أعلنت الحكومة الجزائرية بدء إنجاز الشطر الأخير من طريق الوحدة الأفريقية، الذي يصل عاصمة البلاد بلاغوس النيجيرية وقد خصصت الجزائر للمشروع 2.6 مليار دولار.
شريان اقتصادي
مَرَدُّ الاهتمام الجزائري بهذا المشروع الأفريقي، بحسب المتخصص في الشأن الاقتصادي أحمد حيدوسي، يعود إلى كونه مُسَاهِماً في تفعيل المبادلات التجارية والاستثمارات بين الجزائر والدول الأفريقية، ويشكل شرياناً اقتصادياً.
ويعتقد حيدوسي أن “الجزائر غَيَّرَت بوصلتها نحو القارة الأفريقية، التي باتت المكان الأنسب لتصدير منتجاتها وسِلَعِهَا، بعد أن واجهت عراقيل في اتفاق الشراكة مع الاتحاد الأوروبي، وفي ظل غزو المنتجات الآسيوية، وخصوصاً من الصين والهند منطقة التبادل التجاري العربية”.
ويشير حيدوسي إلى أن للجزائر امتداداً في القارة الأفريقية وعلاقات اقتصادية وسياسية طيبة، بالتالي فإن التركيز يجب أن يكون على الأسواق، خصوصاً مع دخول اتفاقية التبادل الحر بين الدول الأفريقية حيز التنفيذ، ما يسمح في تحقيق الاندماج الإقليمي والتكامل الاقتصادي.
ويضيف أن “الجزائر تراهن على هذا الطريق لربط موانئها في الشمال بالعمق الأفريقي، بهدف رفع المداخيل وتحسين معدلات النمو وخلق فرص عمل ليس للجزائر فحسب، وإنما للبلدان التي يمر عبرها الطريق، كما أنه يفتح آفاقاً جديدة في دول الساحل لولوج الموانئ الجزائرية والاستفادة من خدماتها، خصوصاً مع التشغيل القريب لميناء الحمدانية بشرشال في الجزائر، الذي سيشكل منفذ عبور وشحن بين أفريقيا وأوروبا”.
خط الغاز
إذ صرح وزير الطاقة محمد عرقاب لوسائل الاعلام ، إن البرنامج المتفق عليه بين المسؤولين الثلاثة يرجح أن يبث حياة جديدة في العلاقات التي تُوَحِدُ الدول الثلاث في مجال التعاون الفني ويعزز القدرات الطاقية في كل منها، وتعتزم الجزائر ونيجيريا تفعيل مشروع خطوط أنابيب الغاز، للنقل من حقول شمالي نيجيريا إلى أوروبا، مروراً بالنيجر والجزائر، على مسافة 4600 كيلومتر.
إن منطقة التجارة الحرة للقارية الإفريقية ستسهم في زيادة معدلات الوصول إلى الأسواق، كما ستتمكن من النمو بشكل كبير وبالأخص في مجالات الزراعة والتصنيع والتنمية الصناعية وكذلك السياحة من خلال التعاون بين البلدان الإفريقية، والتحول الاقتصادي، وبناء علاقة مبنية على الاحترام والند للند بين إفريقيا وبقية العالم.
ولكن من أجل تحقيق الهدف المتكامل والمنشود لهذه الاتفاقية يجب على الدول الإفريقية في المقام الأول أن تعمل ككتلة واحدة من أجل تذليل العقبات التي تواجهها، ونبذ جميع الخلافات الإقليمية والعمل معًا لصالح الوحدة الإفريقية والنظر في كيفية التعامل مع الكتل الدولية بمبدأ الربح للجانبين بدون هضم الحقوق الإفريقية.
وعند اكتمال الهدف المنشود لمنطقة التجارة الْحُرَّة الإفريقية بهذه المميزات الضخمة ستتمكن القارة أيضًا من إعادة ترسيم علاقاتها التجارية بمميزات وشروط أفضل، مع القوى العظمى الأخرى مثل الصين وروسيا وحتى الاتحاد الأوروبي.
اقرا ايضاً: التجارة التركية تصدر قرارا عاجلا بخصوص السيارات المستعملة






































