إعداد الصحفي: حمزة حيدرة
يقول الكاتب الأميركي لويس لامور: “لَا يُمْكِنُكَ مُحَارَبَةُ الْصَّحْرَاءِ، عَلَيْكَ الْرُكُوبُ مَعَهَا”، وهي مقولة يطبقها سكان الصحراء الجزائرية الذين يحاولون استغلال الثروات الكامنة بمناطقهم الشاسعة وفي مقدمتها التمور إذ يُمثل التمر لعموم الجزائريين رمزاً للهوية، وليس مصدر رزق فقط، إذ لا تكاد مائدة البيت تخلو من هذه الفاكهة ومشتقاتها خاصة في فصل الشتاء. وتمتد شهرة التمور لخارج حدود الجزائر نظراً لجودتها، إذ يتسم التمر الجزائري بمنظره الشفاف ومذاقه الحلو، ولونه الذهبي وملمسه الطري، وهو ما جعله محل طلب واسع،كما يعتبر أيضا من أهم المواد الغذائية في العالم، فهو يمثل مصدرا أساسيا لإمداد الجسم بالطاقة وعنصرا مهما في جميع الأطعمة، ولا يختلف سوقه عن سوق الذهب والنفط نظرا لكثرة استهلاكه
سُكَرُ الْتَمْرِ… ذَاكَ الْدُرُّ الْمَكْنُون
وَتُعَدُ الجزائر من بين أكثر الدول العربية إنتاجاً لمختلف أنواع التمور التي تنتشر في واحات الصحراء الشاسعة، خاصة في بسكرة، ورقلة، أدرار، وغيرها. ومن بين الأصناف التي تُنتج في الجزائر: دقلة نور، بنغلوف، الشيخ، تفازة، فرانة، أقاز، أحرطانة، تزرازي، تيناصر، مسعودية، تنقور، تندكان، تمليحة، تنجدل، تزيزاو، واكيلي، يخال، الشيخ أحمد، الصبع، المكنتيشي، وغيرها.
تَمْرُ السُكَرِ ذلك الموجود المفقود …
تَسْتَهْلِكُ الجَزَائِرُ السُكَرَ بكميات كبيرة جدا كغيرها من الدول، لكن ذلك يُكَلِفُهَا الكثير من الأموال بسبب عجزها عن تَصْنِيع السكر أو إنتاج الشمندر السكري و قصب السكر، فهي تعتمد أساسا على استيراده بشتى أشكاله، إما جاهزا للاستهلاك أو سائلا لتقوم بتكريره وتعليبه ثم طرحه في السوق. إضافة لمصادر السكر المذكورة سابقا هناك مصدر غني بالسكريات ومتوفر بكثرة في دولنا العربية ويحتاج للاهتمام وهو التمر، الذي يعد من أغنى الأطعمة بالسكر وَتَتَسَاَوى أهميته في ذلك مع أهمية الشمندر السكري وقصب السكر، الذي وَجَبَ علينا استغلال هذا الْمَوْرِدُ الْمُهِمُ لِتَقْلِيصِ تَكْلُفَةِ الاستيراد.
تحويل التمور: شعبة صاعدة بحاجة لتكييف للتشريعات
اقْتَحَمَ عِدَةَ مُنْتِجِينَ للتمور بالجزائر، خلال السنوات الأخيرة، مجال التحويل الذي يوفر عدة فرص واعدة على الصعيدين المحلي والدولي، غير أنهم يشتكون من عدم مُلَائَمَةِ الإِطَار التشريعي الحالي الْمُؤَطِرُ لهذا النشاط، وتقوم هذه الشعبة الصاعدة بتثمين التمور وخلق القيمة المضافة من خلال تحويلها إلى عدة منتجات كالسكر والكحول والخل والأعلاف والمربى والمشروبات الطاقوية ومواد تجميل وخميرة الخبز وغيرها.
ومن شأن هذا النشاط الذي يأتي كتطور طبيعي للازدهار الذي تعرفه سوق التمور في العالم، بتقليص فاتورة الاستيراد لعدة منتجات، وتوسيع قاعدة العمال المتدخلين في شعبة التمور بمختلف حلقاتها من الفلاح إلى التوزيع والتسويق والتصنيع، والمقدرة حاليا بحوالي 10 مليون عامل، حسب أرقام متداولة لدى متعاملين في هذا المجال.
إنَّ من إجمالي الانتاج الوطني للتمور والمقدر ب 1 مليون قنطار سنويا، يتم تصدير 5 بالمائة نحو الخارج، واستغلال 30 بالمائة فقط في إنتاج مواد مشتقة من التمور، مما يفرض علينا الاستغلال الأمثل للفرص التي يوفرها التطور الذي تشهده سوق التمور في العالم، إذ أنَّ الطلب العالمي على التمور ومشتقاتها أكبر حاليا بثلاث مرات من كمية العرض.

وفي هذا الإطار، يَتَحَتَمُ عَلَى الْجِهَاتِ الْمُخَوَلَةِ بهذا المجال إلى زيادة الاهتمام بمناطق الانتاج على غرار ولايات: بسكرة، ووادي سوف، وورقلة، وغرداية، وأدرار، والمنيعة، قصد توسيع واحات النخيل وتفادي تَقَلُصِهَا نتيجة تخلي العديد من المزارعين عنها.
ومن جهة أخرى نَظَرًا للتطورات التي تعرفها سوق التمور في العالم، بَرَزَت هناك استثمارات جديدة مما يستدعي مرافقة للمتعاملين لاسيما ما يتعلق باقتناء التجهيزات اللازمة لأنشطة التحويل، وتوفير القروض لتمويل هذه الأنشطة، والحصول على شهادات المطابقة الضرورية للولوج لعدة أسواق عالمية، وتوفير التكوينات المناسبة لها، ودعم البحث العلمي في هذا المجال.
و كنُقْطَةٍ مُهِمَةٍ و مُلِحَةٍ و هي ضرورة تكوين الشباب الراغب في التصدير، وتعريفة بالتسهيلات الممنوحة التي منها منح قروض دون فوائد لخلق مصنع لتوظيب وتصدير التمور، وعند القيام بعملية التصدير تتحمل الدولة على عاتقها 80 % من تكاليف النقل على كل دول العالم مشيرا إلى أنه تم الاتفاق على فتح مركز الشحن الجوي من بسكرة إلى مرسيليا .
كما يجب إنشاء قواعد تجارية للتصدير، حيث هناك إستراتيجية مع وزارة الشؤون الخارجية تكون لنا قاعدة في ماليزيا أو اندونيسيا للتصدير للدول الآسيوية، وقاعدة في مرسيليا لتصدير المنتوجات الفلاحية والتمور إلى كل الدول الأوروبية وقاعدة في تونس لتحويل سلعنا عبرها إلى دول أخرى، كما يجب خلق أَسْوَاقٍ حُرَةٍ مع الفيتنام والصين وتركيا.
تَصَدَرَتِ الْمَرَاتِبَ بِتَمَيُزِ تَمْرِهَا
تحتفظ الجزائر منذ سنوات طويلة بتصنيفها ضمن المراتب الخمسة الأولى عالميا وعربيا في مجال إنتاج التمور، وذلك حسب خبراء ومتعاملين اقتصاديين مختصين في شعبة التمور في العالم، إذ تُعَدُ التُمُورُ أَحَدَ أَهَّمِ المنتجات الزراعية في البلاد، حيث تملك الجزائر 18 مليون نخلة بمختلف أنواعها وتصنيفاتها، وَيَصِلُ حَجْمُ إنتاجها سنويا 900 ألف طن سنويا.
تُصَدِّرُ الْجَزِائِرُ ما لا يتجاوز 5%، أي 45 ألف طن من إجمالي الإنتاج، وتعتبر الدول الأوروبية أكثر الأسواق المستوردة للتمور الجزائرية، وتعد كل من فرنسا وروسيا من بين الأكثر استيرادا لها، وتتفرّد الجزائر بالمرتبة الأولى عالميا من حيث إنتاج صنف “دقلة نور” الذي يعد أحد أفخر أنوار التّمور، ويصل عليها الطّلب من كل دول العالم حتى تلك التي تتنافس مع الجزائر على المراتب الأولى عربيا وعالميا.
كَمَا يَصِلُ حَجْمُ الاستهلاك الدّاخلي للتمور سنويا لما يقارب 600 ألف طن أي حوالي 80% من إجمالي الإنتاج، ويتراوح متوسّط سعرها في الجزائر سنويا ما بين 600 و700 دينار (أي حوالي 6 إلى 7 دولارات) بالنسبة للأصناف العادية، كما بلغت نسبة صادرات الجزائر من مجموع الناتج العام حوالي 80% .
عقبات في طريق “سكر التمر ”
أَمَّا فيما يتعلق بالمشاكل التي يواجهها بَعْضُ الْمُصَدِرِينَ، تَتَلَخَصُ في ضُعْفِ التُرْسَانَةِ الْجَوِيَةِ والبحرية واِرِتفاعُ تَكْلُفَةِ التعليب في الجزائر، وتجميد التمور وَسُوسَةُ النخيل التي تصل إلى 65 بالمائة في الجزائر في حين لا تتعدى 3 بالمائة في إيران، إِذْ تَمْتَلِكُ طَائِرَاتٍ بدون طيار تعالج هذا الإشكال وأَبْدَتِ الجزائر استعدادها لاقتناء هاته الطائرات التي لا تكلف الكثير وبإمكانها معالجة 10 هكتارات في اليوم.
أما فيما يخص المتعاملين فَإِنَّهُم يواجهون ميدانيا عِدَةَ عراقيل، أَهَمُهَا تَعَقُدُ الْإِجْرَاءَاتُ الْبَنْكِيَةِ للحصول على قروض للاستثمار في هذا المجال وطول مدة معالجة الملفات وعدم مواكبة النصوص القانونية للتطورات الحاصلة.
كما لا تخفى أهمية السوق الإفريقية حيث تم عقد اجتماعات بتمنراست وبشار وأدرار لفتح طريق بري لأن الشحن الجوي يكلف أسعار باهظة ودراسة إمكانية فتح طريق الوحدة الوطنية الأفريقية ولكن الإشكال يكمن في نقص تأمين القافلات في إفريقيا.
سُكَرُ التَمْرِ يعوض فاتورة استيراد قصب السكر
إذ بلغت صادراته حوالي 2,1 مليون طن من السكر السائل المحول ، المنتج من أنواع مختلفة من التمور قليلة الاستهلاك ” من شأنه أن يجعل من الممكن تغطية فاتورة العملات الصعبة لواردات قصب السكر ، وبالتالي تحقيق التوازن في الميزان التجاري لهذا المنتوج الاستراتيجي “.
إيران قَدَمَت تَجْرُبَتَهَا في استخراج سكر التمر للجزائر.
وهناك اتفاقية تعود لسنة 2015، وقعتها وزارة الجزائر وإيران وإيطاليا ومؤسسة خاصة “صارل عمتنا” لإنجاز أول مشروع نموذجي لإنتاج سكر التمر بمحافظة بسكرة بتكنولوجية إيرانية وتجهيزات إيطالية، وقد سمح الإيرانيون بتعميم التجربة التي شرعوا فيها منذ نحو 15 سنة، ما مكنهم من إنتاج 3600 طن كسكر التمر سنويا، وسيكون أول مشروع ببسكرة، وَخُصِصَ له غلاف مالي يقدر بنحو 3 ملايين يورو، حيث سيتم استخراج السكر والعسل والمربي من بقايا التمور، إضافة إلى عَلَفِ الأنعام الذي يفيد الغنم والأبقار، كما تفيد المعطيات الأولية أن بداية الإنتاج ستتبعها مرحلة ثانية تتم فيها ترجمة النجاحات التي حققها الإيرانيون الذين حولوا بقايا التمور لاستخراج كحول طبية والميثانول وعصير التمر بطريقة عصرية، وقهوة التمر بأنواع الكابتشينو والكرامال السائل.و ستتمثل المرحلة الثالثة في ‘تحويل جريد النخل إلي الورق.
أَهَمِيَتُهُ بِقَدْرِ قِيمَتِهِ
وتكمن أهمية سكر التمر في كونه منتوجا طبيعيا وصحيا لا يتعب الكبد وله فوائد كبيرة ، كما يتميز التمر السري بلونه الأصفر الذهبي لذا عادة ما يطلق عليه أيضا التمر الذهبي. وحسب المسؤولين الجزائريين، فإن هذه التجربة لو تعمم في عشر محافظات في صحراء الجزائر، ستساهم في الاستغناء عن استيراد السكر، زيادة علي أنها تنهي مشكلة تسويق التمور ذات النوعية العادية والرديئة التي تنتج في عمق الجنوب وستنعش مردود الفلاحين البسطاء..
التمور الجزائرية”.. رِهانٌ آخر لترقية صادرات البلاد خارج المحروقات
من جهة أخرى أعلنت السلطات الجزائرية زيادة معدلات تصدير التمور إلى مختلف دول العالم ، و ارتفاع الطلب عليها ، و ذلك في سياق نَفْيِهِا تَقَارِيرَ إِعْلَامِيَةٍ تحدثت عن إرجاع شحنات بسبب استخدام مزارعين في الجزائر مبيدات كيميائية غير مطابقة.
كَمَا شَدَدَت الوزارة على أنَّ المبيدات المستخدمة لمكافحة الآفات الزراعية في واحات النخيل خلال مراحل إنتاج التمور ” مصادق عليها و تزول من المنتج بالتحلل ، و هي مسجلة في سجل مواد الصحة النباتية ذات الاستعمال الفلاحي المعتمدة من طرف اللجنة الوطنية للتصديق المتعددة القطاعات.
أشارت إلى أن اللجنة صادقت منذ 2010 على مبيد الديلوبنزوارن الموجه للقضاء على سوسة التمر ، و جرى تجديد المصادقة عليه في 2020 بعد التأكد من طرف أعضاء اللجنة ذاتها من أن المبيد يستوفي شروط الصحة النباتية المعمول بها دوليا.
كما أوضح نفس المصدر ، أن الجزائر بصفتها عضو في الاتفاقية الدولية للصحة النباتية و الممثلة بدائرتها الوزارية ، لم تتلق أي إشعار أو إبلاغ من طرف الممثلين الرسميين للصحة النباتية للدول المستوردة برفض تمورنا لسبب متعلق بالصحة النباتية ، مما يؤكد أن صادراتنا من التمور لم تعرف أي إشكال للدخول إلى الأسواق الخارجية.
هذا و تحرص السلطات العمومية في البلاد ، على تقديم جملة من التسهيلات التي سمحت للمنتجين و المصدرين بتطوير هاته الشعبة و مشتقاتها ، و كذا عدد من الصناعات التحويلية المرتبطة بها كصناعة زيت نوى التمر ،سكر التمر ، علف الأنعام ، الأسمدة الطبيعية و المواد الشبه صيدلانية كالكحول و المواد المعقمة و الفحم المنشط لتطهير المياه
تعتبر منتجات التمور من أهم منتجات القطاع الفلاحي في الجزائر التي يمكن الرهان عليها في تنويع الصادرات خارج قطاع المحروقات إذ تعد من بين أكثر المنتجات الزراعية الجزائرية تسويقا في الخارج حيث تولي الحكومة الجزائرية أهمية كبيرة لزراعة النخيل وتعتبرها من الزراعات الإستراتيجية نظرا لشساعة أراضي النخيل وخضوعها لمناخ معين وتوفرها على احتياطي كبير من المياه الجوفية، لكن عائدات الجزائر من صادرات التمور لا تعكس حجم إنتاجها الذي بلغ حوالي مليون و200 ألف طن سنة 2017 لتحتل المرتبة الثالثة عالميا، من المفترض أن يؤدي هذا المركز إلى الحصول على حصة سوقية كبيرة في العديد من الأسواق الدولية و نصبح مستهلكين لسكر صحي و محققين لاكتفاء ذاتي .
اقرا ايضاً: فوائد التمر في رمضان






































