شهدت تركيا في السنوات الأخيرة جذباً واسعاً للعديد من المنصات العالمية والمحلية، وقطعت شوطاً كبيراً في مجال تداول العملات الرقمية، وذلك بعد سلسلة من التعليمات واللوائح التي أصدرتها بورصة إسطنبول ووزارة المالية، إلى جانب سماح البنك المركزي التركي بالتعامل وتحويل الأموال من حسابات المتداولين الشخصية إلى منصات التداول الرقمية، بعد حصول هذه المنصات على التراخيص المطلوبة.
ويُعد التعطش في السوق التركية وانتشار المنصات غير المرخصة سابقاً، بالإضافة إلى التراجع المستمر في قيمة الليرة التركية، من العوامل التي أسهمت في نمو منصات التداول وزيادة الإقبال على العملات الرقمية. ومع هذا النمو، بدأت السلطات التركية بكشف مخالفات عدة. فقد كشفت تحقيقات في إسطنبول عن تورط منصة العملات الرقمية “Icrypex” في غسل أرباح عصابات الجريمة المنظمة، ما دفع السلطات إلى حجز أصول الشركة وأموال رئيسها احتياطياً.
وبحسب مصادر إعلامية تركية، فإنّ ملف التحقيق أظهر أنّ عملية غسل الأموال لعصابة إجرامية منظمة جرت في 30 يوليو/ تموز 2025، بعد التأكد من تحويل أرباح غير مشروعة إلى عملات أجنبية وأصول مشفرة، بهدف دمجها في النظام المالي عبر منصة “Icrypex”. وتضيف المصادر أنه بناءً على تقرير صادر عن مجلس التحقيق في الجرائم المالية (MASAK)، تقرر مصادرة الحسابات البنكية العائدة إلى كل من غوكان إيتشر والمنصة، إضافة إلى الأصول في شركات النقد الإلكتروني والمركبات والعقارات وحصص الشراكة.
وبينما تؤكد النيابة العامة في إسطنبول أنّ التحقيقات تجري “بدقة وشمولية” لكشف جميع الأطراف المتورطة، أفادت بأنّ رئيس مجلس إدارة “Icrypex” غوكان إيتشر، موقوف أصلاً منذ ستة أيام في تحقيق منفصل بتهم تتعلق بتأمين مواد مخدرة ومحاولة القتل العمد، ويجري حالياً التحقيق في صلاته المحتملة بجرائم مالية ضمن الملف الجديد.
وكانت مصادر أمنية تركية قد أعلنت، في 27 يوليو/ تموز، توقيف غوكان إيتشر على خلفية اتهامات متعددة، من بينها “توفير مواد مخدرة” ومحاولة القتل العمد. وقد تلقت الأوساط المالية التركية نبأ توقيفه، ثم اتهامه بغسل الأموال، بحذرٍ واستغراب، نظراً لدور منصة Icrypex النشط في سوق العملات الرقمية في تركيا، كذلك تُعرف بأنها الراعي الرسمي للإعلامي المعروف فاتح ألطايلي. ويرى مراقبون أنّ هذه “الهزة” قد تؤثر “بشكل محدود وآني” في سمعة السوق الرقمية بتركيا، في ظل استمرار الجدل حول تنظيم السوق، وآليات عمل المنصات، وسبل حماية المستثمرين من المخاطر القانونية والمالية.
لكن تبقى تهمة غسل الأموال من أكثر التهم حساسية في تركيا، خصوصاً إذا تدخلت فيها أطراف “إرهابية أو منظمات إجرامية”، إذ أعلنت الحكومة التركية، بحسب مراقبين، لوائح صارمة لمكافحة غسل الأموال في قطاع العملات الرقمية، دخلت حيّز التنفيذ في 25 فبراير/ شباط الماضي. ويأتي ذلك بالتوازي مع التهافت المحلي والدولي على السوق التركية، نظراً لحجمها الكبير وسياساتها الضريبية المرنة، حيث تفرض ضريبة معاملات بنسبة 0.03٪ فقط، ما يدل على دعم الحكومة لتطوير السوق.
ووفقاً لشركة “تشين أناليسيس” المتخصصة في تحليلات بلوكشين، بلغ حجم التعاملات الرقمية في تركيا أكثر من 170 مليار دولار خلال عام 2023، ما يجعلها الدولة الأوروبية الأولى من حيث حجم التداول، والرابعة عالمياً. وقد دفع هذا النشاط الكثيف السلطات الرقابية الدولية إلى تسليط الضوء على السوق التركية.
وفي مارس/ آذار الماضي، أصدرت هيئة أسواق رأس المال التركية لوائح جديدة تهدف إلى تنظيم بورصات العملات الرقمية وأمناء الحفظ ومزودي خدمات المحافظ الرقمية، بهدف تعزيز الرقابة المالية والشفافية. وألزمت اللوائح الشركات بتقديم تقارير مالية دقيقة تتضمن تفاصيل المعاملات، مثل نوع الأصول المشفرة وكميتها وأسعارها، بالإضافة إلى العمولات والرسوم. كذلك فُرض على هذه الشركات إصدار كشوف حساب شهرية للعملاء تشمل جميع العمليات المالية المنفذة، لضمان الشفافية التامة.
كذلك منعت اللوائح بورصات العملات المشفرة من تلقي أو معالجة أوامر العملاء عبر منصات التواصل الاجتماعي مثل “إكس” أو “تليغرام”، واقتصرتها على المواقع الإلكترونية والتطبيقات الرسمية. وحظرت تحصيل الودائع المالية من المستخدمين أو التعامل في بيع وشراء العقارات لأغراض تجارية، أو تقديم وعود مضللة بشأن الأرباح المستقبلية، وفرضت غرامة تصل إلى 182 ألف دولار، إضافة إلى عقوبات بالسجن بحق الشركات غير الملتزمة.
وفي يوليو/ تموز الماضي، ألحقت وزارة الخزانة والمالية التركية هذه اللوائح بحزمة تنظيمية جديدة تعتبر، بحسب مراقبين، الأوسع منذ بدء التعامل الرسمي مع الأصول الرقمية. ونصت على إلزام المنصات بطلب معلومات مفصّلة من المستخدمين حول مصدر الأموال وأسباب التحويل، وفرض توصيف نصي مع كل معاملة، لتسهيل عمليات التدقيق لاحقاً. كذلك فرضت تعليقاً زمنياً على بعض عمليات السحب يصل إلى 48 ساعة، وقد يمتد إلى 72 ساعة للحسابات الجديدة التي لا تحتوي على بيانات كاملة، لمنح الجهات الرقابية فرصة لرصد التحركات المشبوهة.
وحددت اللوائح أيضاً سقوفاً صارمة لتحويلات العملات المستقرة (مثل USDT) بواقع 3 آلاف دولار يومياً و50 ألفاً شهرياً. لكن يمكن رفع هذه الحدود للمنصات التي تلتزم “قاعدة السفر” (Travel Rule)، وهي قاعدة دولية تنص على تبادل معلومات دقيقة عن الطرفين في كل معاملة مالية رقمية. وتشترط القاعدة تبادل بيانات دقيقة بين المرسل والمستلم، بما يتماشى مع المعايير المعتمدة من مجموعة العمل المالي الدولية. كذلك أُلزمت شركات الأصول الرقمية بتقديم تقارير دورية تتضمن تفاصيل شاملة عن نوع الأصل المشفّر وكميته وسعره وتاريخ تنفيذه.
وقال وزير المالية التركي، محمد شيمشك، إنّ الحزمة الجديدة جاءت ضمن جهود الحكومة لحماية النظام المالي الوطني من التدفقات المالية المشبوهة، موضحاً في تصريحات سابقة أن هذه الإجراءات تهدف إلى مواءمة التشريعات التركية مع المعايير الدولية لمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب.
ويُذكر أنّ العديد من المنصات التركية كانت تعمل في السوق قبل صدور التشريعات الجديدة، من أبرزها منصة “باريبو” التي تأسست عام 2017، وبلغ حجم تداولها عام 2021 نحو 2.5 مليار دولار، ومنصة “بي تي سي تورك” التي انطلقت عام 2013، ومنصات أخرى مثل “بيتجي”، “إيسري بيكس”، بالإضافة إلى منصة “بينانس” العالمية، التي تتوفر في تركيا باللغة التركية وتدعم مجموعة واسعة من العملات الرقمية، بما في ذلك بيتكوين وإيثيريوم والعملات البديلة الأخرى.
المصدر: العربي الجديد
اقرأ أيضا: تركيا.. İMECE تمويل إسلامي بدون فوائد
اقرأ أيضا: تركيا تصدر بقيمة 20.5 مليار دولار في يونيو




































