العقيد فايز الأسمر – باحث في القضايا السياسية والأمنية الشرق أوسطية – قمة طهران الثلاثية والملف السوري – مع اقتراب الحرب الروسية الأوكرانية من إتمام شهرها “الخامس” وانشغال روسيا وقياداتها العسكرية والسياسية في تأثيرات غرق جيش الكرملين وتخبطه في أوحال المستنقع الأوكراني، وتكبده الخسائر الكبيرة وغير المتوقعة بالعدة والعتاد، مع تأخره الواضح حتى الآن من احراز الأهداف الاستراتيجية التي حددها “بوتين” قبل بدء غزوه.
قمة طهران الثلاثية
ويأتي هذا كله نتيجة صمود الجيش الأوكراني اللافت، الذي زاده وعززه وإلى درجة كبيرة الدعم اللامحدود والمستمر بكافة أنواع الأسلحة والعتاد الحديث الذي تلقاه ولايزال يتلقاه هذا الجيش من حلف الناتو، متمثلا بواشنطن والغرب والذي ساعد “الأوكران” إلى حد كبير ولافت في تأخير تقدمات الجحافل الروسية، بل وجعل مدرعات وطائرات “الكرملين” مجرد “خردة” تملئ شوارع المدن والبلدات الأوكرانية خاصة في شرقي البلاد وجنوبها.
في الواقع ومع إنشغال الدب الروسي في حربه، فلاشك أن هذا الأمر قد إنعكس بشكل أو بآخر على الملف السوري المعقد أساسا، ومراوحة هذا الملف في المكان سياسيا وعسكريا في ظل عدم وجود أية بوادر ودلائل لإنفراجات قادمة فيه.
اللهم إلا في وقت تسعى فيه الدول الإقليمية وصاحبة النفوذ الإبقاء ما أمكن على أدنى مستوى من القمم و المشاورات السياسية أو العسكرية التي وكما بات معروفا لجميع السوريين «لاتسمن ولاتغني من جوع».
الملاحظ أن “إيران” كصاحبة نفوذ على الأراضي السورية، والمشتركة أيضا مع “موسكو” في التحكم بقرارات قيادات النظام السياسية والعسكرية، ومع إقتراب إنعقاد مشاورات خفض التصعيد في إدلب والشمال السوري، فعلى ما يبدو أنها نجحت في محاولاتها أخيرا في جذب هذه المشاورات لتعقد في طهران، على الرغم من الرغبة الروسية في إنعقاد هذه القمة والمشاورات الخاصة في الملف السوري في العاصمة الكازاخستانية “نور سلطان” (استانة).
في الواقع فإن “قمة طهران” المرتقبة، وحسب تصريحات الناطق بإسم الكرملين “دميتري بيسكوف” ستجمع الرئيس الروسي “فلاديمير بوتين” مع نظيريه التركي “رجب طيب أردوغان” والإيراني” إبراهيم رئيسي”، وسيكون جدول أعمالها منصبا على الملف السوري ومجرياته السياسية والعسكرية والعملية التركية المرتقبة ضد ميليشيات قسد في الشمال السوري.
كما سيتخلل قمة طهران أيضا محادثات ثنائية “روسية تركية” في ظل استمرار الحرب في أوكرانيا” وتأثيرات هذه الحرب وإنعكاساتها الإقليمية والدولية، بالإضافة لمناقشة دور” تركيا” في تأمين عمليات نقل الحبوب من السواحل “الأوكرانية”.
كما ستشهد زيارة الرئيس “بوتين” أيضا تبادلا للآراء حول مجموعة من القضايا الثنائية والإقليمية التي أثارها الرئيسان الروسي والإيراني في قمة “بحر قزوين” السادسة التي عقدت نهاية حزيران الماضي في العاصمة التركمانستانية “عشق آباد“.
الملف السوري
عمليا واستنادا إلى أدوار الدول الضامنة واصطفافاتهما المعروفة (روسيا وايران)، التي لم يطرأ عليهما أي تغيير يذكر منذ بدء الأزمة السورية، فأتصور أنه وبالمطلق لا ينتظر مع قادم أيام هذه القمة أن تتمكن أطرافها من أحراز أي تقدمات جوهرية لافتة، أو أية انفرجات ملحوظة تحسب لهم على صعيد الملف السوري، أو حتى أن تخدم أو تنصف الثورة والمعارضة السورية التي وللأسغ فقدت قرارها السياسي والعسكري منذ فترات طويلة.
إذ أنه لايمكن حسب كل الشرائع الأرضية منها والسماوية وبأي حال من الأحوال أن يكون الجلاد والقاتل حكما وقاضيا، فروسيا بكافة قواتها العسكرية البرية والبحرية والجوية وإيران وبكافة ميليشياتها الطائفية وحرسها الإرهابي، منغمستان من «أسفل قدميهما وحتى قمة راسيهما» في الدم السوري، بل ولهما الدور الأكبر إلى جانب النظام المجرم في الإرهاب والمآسي التي مر ولازال يمر بها الشعب السوري، والتشريد والتغييب والتقتيل، الذي يعيشه منذ مايزيد عن إحدى عشر عاما.
ومع هذا فلنعد إلى الخلف قليلا ونسأل أنفسنا ماذا قدمت أو أنتجت وأحرزت عمليا حتى هذه اللحظة “18” جولة سابقة من المباحثات والجولات الأستانية (نور سلطان)؟، والتي وكما نعلم جميعا عقدت أولى جولاتها يوم “23” كانون الثاني“2017″، اذاً مضى”4 “سنوات وسبعة أشهر تقريبًا على انطلاق “مسار أستانة” بين المعارضة والنظام في سوريا، برعاية وضمانة كل من روسيا وتركيا وإيران دون أن يشهد هذا المسار أية تقدمات نوعية توحي باقتراب ملامح أو حتى خيال أي حل سياسي قد ينهي الصراع في سوريا، وفق مخرجات الشرعية الدولية وعلى أساس قرار مجلس الأمن رقم 2254.
على مايبدو إن الدول الضامنة لمسار الاستانة (تركيا، إيران، روسيا) قد استغلوا هذا المسار جيدا منذ انطلاقة جولته الأولى، وعملوا على توظيفه شدا وجذبا، لوصول كل منهم إلى الأهداف والأجندات المختلفة المرسومة التي يريدون تحقيقها من خلال هذا المسار وجولاته العديدة المتعددة.
موقف الأطراف الثلاثة
فالدولة التركية المجاورة لسوريا والتي تربطها معها 910كم من الحدود المشتركة هي المتأثر الأمني الأكبر من الأحداث الدامية الدائرة على الأراضي السورية ولذلك تبنت هذا المسار أي الأستانة ووظفته لتعزيز دورها ومضاعفة أوراقها وتأثيراتها في الملف السوري، وأيضا الوقوف في الوسط لتحقيق نوع من التوازن الذي لاغنىً عنه للتوفيق بين الدور الأميركي والدور الروسي في تعاطيهما مع هذا الملف.
أما “ملالي قم” فوظفوا هذا المسار لتعزيز مناوءتهم ورفضهم للوجود الأمريكي، و مواجهة ضغوط الإدارات الأمريكية المختلفة عليهم في ملفي النووي والعقوبات من خلال استثمارها لهذا الملف.
أما “موسكو” فقد وظفت هذا الملف وتديره لتعزيز نفوذها في المنطقة وتواجدها على السواحل الدافئة، ولإعطاء نفسها أهمية سياسية وعسكرية أكبر في نظر واشنطن وربيبتها اسرائيل وبعض الدول العربية خاصة الخليجية منها، بوصفها أي موسكو هي الطرف الوحيد الأقوى القادر على التواصل مع كافة الأطراف النافذة في سوريا، وهذا ماأكسبها أهمية في مجالات سياسية أكبر، كما فتح لها فرصًا جديدة لتقوية علاقاتها الإقتصادية والأمنية مع تركيا والدول الخليجية وإسرائيل.
ختاما لاشك أن القمة القادمة في “طهران” بين الرؤساء الثلاثة، لابل وجولات مسار الأستانة الكثيرة جميعها، والقمم التي سبقتها بين قادة الدول الضامنة لن تقدم للمعارضة السورية وللشعب السوري بكافة أطيافه أي آمال، فكل هذه القمم والمسارات حتى الآن بدون الدور الأمريكي الفاعل تقوم أساسا على حسابات ومعادلات الربح والخسارة، وهي نوع من أنواع عمليات تقاسم النفوذ على الأراضي السورية.
تحاول من خلالها موسكو وإيران “إن استطاعت إلى ذلك سبيلا” إيجاد حل للقضية السورية بعيدا عن الرؤية الأمريكية والدولية ومسار “جنيف” وبما يتناسب مع مقاساتها، وبما يضمن لها أيضا حصد النتائج في استمرار مصالحها، ونفوذها المستقبلي في سوريا، بوصفها صاحبة الكعب الأعلى الذي أنقذ نظام الأسد من السقوط المدوي، بعد تدخلها العسكري المباشر في نهاية أيلول 2015 وارتكابها الجرائم وجعلها الأسد وقواته يتمكنون من بسط نفوذهم على غالبية مناطق تخفيف التصعيد التي كانت تسيطر عليها الفصائل، وقضمتها روسيا وقوات النظام وميليشيات إيران الواحدة تلو الأخرى ودون أي رادع أخلاقي إعتبارا من وادي بردى والغوطة ودرعا وصولا إلى إدلب باعتبارها آخر مناطق تخفيف التصعيد والتي ولولا الوجود التركي فيها لاحالتها إلى أثر بعد عين مع ماتحويه من ملايين اللاجئين.
اقرأ ايضا: السعودية تنشط قبيل زيارة بايدن للمنطقة
اقرأ ايضا: العملية العسكرية التركية المرتقبة هل ستكون بلا منغصات وكما تشتهي تركيا وتريد؟
اقرأ ايضا: قاعدة التنف الأمريكية هم واهتمام روسي إيراني!
اقرأ ايضا: بايدن ماذا ستغير جولته من معادلات المنطقة وقضاياها الشائكة…؟!
















































