لا شك أن تركيا تملك بعد الجيش الأمريكي ثاني أكبر وأقوى جيش في حلف شمال الأطلسي الناتو كما تعتبر أنقرة حقيقة من أهم حلفاء الولايات المتحدة الأمريكية في منطقة الشرق الأوسط والعالم ولكن هذا الأمر لايلغي من الحسابات والوقائع شيئا، وخاصة أنه وخلال السنوات القليلة الماضية حدثت بين الطرفين توترات و تقلبات في العلاقات، وخلافات ظهرت وطفت على السطح لأسباب عدة وعديدة لعل من أهمها وأبرزها:
- الإمتعاض الشديد لتركيا من استمرار واشنطن إستضافتها لزعيم الكيان الموازي “فتح الله غولن” ورفض تسليمه لها، فالحكومة التركية وكما بات معروفا تتهم “غولن” بالتخطيط والوقوف خلف محاولة الانقلاب الفاشلة التي وقعت في البلاد بتاريخ “15” تموز2016″ وأنه العقل المدبر لهذه المحاولة .
- تجاهل “واشنطن” الدائم و المتكرر للمطالب التركية وهي الحليف الإستراتيجي بل وضربها بعرض الحائط رغبات أنقرة بتأمين إحتياجاتها التسليحية وخاصة في سلاحي الجو والدفاع الجوي والأعتدة الحديثة و المتطورة الأخرى .
- الدعم الأمريكي اللامحدود بالعناد والسلاح الذي تتلقاه ميليشيات قسد و منظمات BYD YBG التي تقبع مع كل أخطارها قرب الحدود الجنوبية التركية، بل وتعتبرها الحكومة التركية مصدرا كبيرا لبواعث القلق التي تهدد وحدة النسيج المجتمعي التركي والأمن القومي للبلاد ، وهي_ أي تلك الميليشيات _من وجهة النظر التركية ليست بأكثر من منظمات إرهابية واذرعا عسكرية سورية تتبع وبشكل مباشر لاخلاف حوله لحزب العمال الكردستاني المصنف أمريكيا كحزب إرهابي.
- إنزعاج تركيا الشديد منذ بداية ولاية الرئيس الأمريكي”جو بايدن” من أعضاء كثر في الكونغرس الأمريكي مضافا إليهم أكثر من “54” عضوا من “مجلس الشيوخ الأمريكي” بسبب مناشدتهم إدارة الرئيس بايدن باعتماد خط أكثر تشددا مع الحكومة التركية، وبالذات مع الرئيس رجب طيب أردوغان في ملفات عديدة يأتي على رأسها ملف حقوق الإنسان.
- التأثر والإمتعاض التركي من قرارات بايدن، التي قضت بإخراج أنقرة من مشروع طائرات الـ F35 (الشبح) على الرغم من أنها _أي تركيا_ تصنع بعضا من تجهيزاتها ومعداتها مع إيفائها التام بجميع التزاماتها المالية والقانونية تجاه هذا المشروع.
- إضافة لكل الأزمات المذكورة السابقة فقد “طمى الخطب” اكثر في زيادة التوتر بين الطرفين بسبب إقرار الرئيس الأمريكي بايدن في مستهل عام 2021 بالإبادات الجماعية التي حدثت للأرمن.
في الواقع فإن المتابع لسير وتطورات العلاقات الأمريكية التركية يجد أنها بدأت بالتدهور في عام” 2003″، بعد أن رفضت تركيا السماح للولايات المتحدة من استخدام قاعدة “إنجرليك” الجوية لغزو العراق واسقاط نظام الرئيس الراحل “صدام حسين”.
كما زاد التدهور بالعلاقات أكثر بعد محاولة الإنقلاب الفاشلة التي حدثت في تركيا في تموز عام”2016″، وعليه ومنذ ذلك الحين توجهت السياسة الخارجية و الدبلوماسية التركية تدريجيًا ، للبحث عن شراكات مع قوى اقليمية ودولية أخرى مثل روسيا والصين.
بلا شك إن الحاجة الدفاعية الملحة لتركيا وسحب واشنطن لمنظومات الباتريوت من أراضيها ورفضها بيعها منظومات منها، والأسباب التي ذكرناها أعلاه، جعلت أنقرة تقوم بتغيير توجيه بوصلتها، وتتقرب من “موسكو” أكثر وتستقدم منها وهي العدو اللدود لواشنطن والناتو منظومات الدفاع الجوي “S400″وتنشرها على أراضيها، وعليه فإن الولايات المتحدة ومعها الدول الأعضاء في حلف “الناتو”، قد رأت في شراء تركيا للمنظومة الروسية تهديدا محتملا للأمن الجماعي الأوروبي، طبعا يأتي هذا مع تجاهل النظر إلى المسؤولية الأوروبية والأسباب التي دعت أنقرة أن تتجه شرقا، هذا التوجه الذي تتوج بعد خذلانها من قبل دول الناتو على خلفية إسقاطها للطائرة الحربية الروسية”سو 24” في عام 2015 “
عمليا ورغم المشاكل الكبيرة والخطيرة القائمة بين البلدين(تركيا وواشنطن) و التباين الواضح في الرؤى في ملفات عدة ،ولكن تاريخ وواقع العلاقات الإستراتيجية التركية الأمريكية، ومجالات التعاون المشترك بينهما في الكثير من القضايا، يوحي أن هذا كله سيشكل العامل و المحور الأساسي في عودة واستمرار العلاقات الوثيقة بينهما، وخاصة أن البلدين لايملكان حقيقة إمكانية تخليهما عن الخدمات المتبادلة، ولذلك وكما تقول دلائل كثيرة فهما مضطران لحل المشاكل العالقة بينهما وتقريب وجهات نظريهما.
وعليه فقد إتفق رئيسا البلدين في لقاءاتهما ومباحثاتهما الهاتفية على تشكيل لجان مشتركة تعنى بحل الخلافات وتذليل الصعاب، ما يؤكد حقيقة بقاء تركيا حليفا استراتيجيا موثوقا لايمكن الإستغناء عنه أو تجاهله من قبل الولايات المتحدة، وهنا و بالتأكيد لا توجد “عصا موسى” لتنهي الخلافات كليًا وبشكل سحري، إنما بامكان كلا الطرفين تحييد المواضيع الخلافية التي أدت وتؤدي إلى توتر العلاقات بينهما، وعليه فإن التركيز في القادمات لابد أن يكون منصبا على القواسم والمصالح المشتركة، والعمل على بناء آلية لإدارة المواضيع الخلافية الشائكة وتذليلها.
لاشك أنه وفي الفترة القليلة الماضية وخاصة بعد اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية، والتبعات الخطيرة والواسعة التي أحدثتها، فقد بدأت العلاقات التركية الأمريكية تشهد دفئا وتحسنا ملموسا، وأظهرت هذه الحرب لواشنطن أن الجانب التركي يعد بالفعل حليفا استراتيجيا يمكن الإعتماد عليه بعد سنين من الشكوك، حيث أن تركيا بعد أيام من بدء الغزو الروسي، قامت وبلا أية هواجس بتفعيل إتفاقية “مونترو” التي تمنحها حق التحكم في مرور السفن والبوارج الحربية التابعة للدول الداخلة في الحرب من مضيقي”البوسفور والدردنيل”.
وعليه ففد استطاعت”أنقرة” أن تحد من حركة السفن الحربية الروسية بين البحر الاسود والمتوسط، وهذا بدوره عكس حالة من الرضا والإرتياح لدى واشنطن والغرب، وخلق ووفر فرصا كبيرة لإعادة ضبط بوصلة العلاقات الأميركية التركية بعد سنوات من التوتر والشكوك، وعليه فقد ذكرت تقارير صحفية أن إدارة بايدن أبلغت الكونغرس برغبتها في بيع محتمل لطائرات مقاتلة من طراز “إف-16” إلى تركيا وتحديث اسطول سلاح الجو التركي، معللة ذلك بكون الصفقة تخدم بشكل كبير المصالح الأميركية، وتعزز من وحدة وقوة حلف شمال الأطلسي (الناتو).
ختاما قد يكون طلب القيادة التركية شراء 40 طائرة من طائرات F16 وتحديث أعداد أخرى منها هو اسلوب وبالون إختبار للولايات المتحدة، ربما ليجعل واشنطن في نظر الشعب التركي ويظهرها على انها شريك دفاعي متلون وغير موثوق به، ولكن مع ذلك فمن غير الوارد لتركيا وأقلها بالمديات المنورة، السماح بانهيار العلاقات الدفاعية والتسليحية بالكامل مع واشنطن وحلف شمال الأطلسي، وهنا يجب على الإدارة الأمريكية والكونغرس والشيوخ الأمريكي التنبيه في طريقة الردود على الطلبات والهواجس التركية وخاصة أن البديل في التوجهات التركية البديلة لن يسر وبأي شكل من الأشكال واشنطن وحلف الناتو والغرب معها.
اقرأ ايضا: بايدن ماذا ستغير جولته من معادلات المنطقة وقضاياها الشائكة…؟!
اقرأ ايضا: قاعدة التنف الأمريكية هم واهتمام روسي إيراني!
اقرأ ايضا: قمة طهران الثلاثية والملف السوري وخمس سنوات من جولات بلا طحين !
اقرأ ايضا: الدبلوماسية التركية والحرب الأوكرانية ونجاحات عدة





































