مع اقتراب الانتخابات التركية “الرئاسية والبرلمانية”، والتي تقرر تنظيمها في 14 أيار/مايو 2023، يزداد الصخب في المشهد السياسي الداخلي بالرغم من عدم إعلان بدء الحملات الانتخابية رسمياً.
وستكون تركيا أمام استحقاق مختلف تماماً عما سبق، نظراً للتراجع النسبي في شعبية حزب العدالة والتنمية الحاكم، وسعي تكتل الطاولة السداسية المعارض وهي “الإطار التنسيقي لـ6 أحزاب معارضة تريد العودة للنظام البرلماني”، للتوافق على مرشح منافس للرئيس رجب طيب أردوغان، وكذلك مشاركة أحزاب جديدة في الانتخابات التركية.

ويصح القول أن الفترة المقبلة الى حين اجراء الانتخابات التركية، ستكون معركة رهانات بين الطرفين، وفي ظل تفرد أردوغان بإعلانه المرشح عن تحالف حزب العدالة والتنمية والحزب القومي التركي، ما زال تحالف الطاولة السداسية المعارض يدرس خياراته لإعلان اسم المرشح المناسب للانتخابات المقبلة.
اقرأ أيضا: استعدوا لـ الانتخابات التركية 2023.. صحيفة غربية تدعو المعارضة لتوحيد صفوفها ضد أردوغان
رهانات المعارضة

يُدرك الطرفان المتنافسان أن حسم الانتخابات التركية المقبلة، يعتمد الى حد كبير على الأوضاع التي ستشهدها البلاد في فترة اجراء الانتخابات، وهناك مجموعتين بارزتين من المتغيرات.
المجموعة الأولى من المتغيرات المهمة والتي تشكل حالة استقطاب ومنافسة بين الحكومة والمعارضة، هي ملف اللاجئين والأجانب المقيمين وخاصةً السوريين، وأيضاً الأحوال الاقتصادية في البلاد ولا سيما التي تُعنى بظروف حياة المواطن المعيشية اليومية.
والمجموعة الثانية ترتبط بالخريطة السياسية والانتخابية في ذلك الوقت لجهة عدد المرشحين الرئاسيين واحتمال وجود مرشح توافقي للمعارضة من عدمه، فضلًا عن التحالفات الانتخابية بين الأحزاب.
وتقوم رهانات الرئيس أردوغان وحزبه وتحالف الجمهور على هاتين المجموعتين من المتغيرات المهمة، وذات الأمر ينطبق على المعارضة وخصوصاً تحالف الطاولة السداسية، وبشكل أكثر تحديدًا حزب الشعب الجمهوري أكبر أحزاب المعارضة

تعول المعارضة بشكل كبير على تراجع مؤشرات الاقتصاد وخاصة نسب البطالة والتضخم والأسعار، وهذا ما يدعم ادعائها بأن الحكومة الحالة عاجزة عن حل مشاكل المواطن الاقتصادية، وهي المسؤولة عن التراجع الاقتصادي في البلاد منذ استلام حزب العدالة والتنمية الحكم عام 2002.
ولأن المعارضة التركية تعي تماماً أن الاقتصاد هو المعيار الرئيس الذي يُصوت الناخب على أساسه كبقية الدول في العالم، تقدم نفسها على أنها البديل الأنسب القادر على حل جميع مشكلات الاقتصاد في البلاد.
ومن نقاط القوة التي تراهن عليها المعارضة التركية أيضاً، الاحتقان الشعبي المتزايد تجاه الأجانب المقيمين في البلاد واللاجئين والسوريين على وجه الخصوص، وتحمل الحكومة وحزب العدالة والتنمية المسؤولية الكاملة، وبذات الوقت لم تتبنَ المعارضة بعض الشخصيات العنصرية التي تنتهج خطاب الكراهية تجاه اللاجئين تاركة لنفسها مساحة من الاستفادة من هذا التململ الشعبي.
وأحد رهانات المعارضة الرئيسة هو عدم حسم نتيجة الانتخابات التركية من الجولة الأولى والاحتياج لجولة إعادة بحيث تتجمع كل أصوات المعارضة ضد الرئيس التركي لتضمن هزيمته، ولذلك تحديدًا ما زالت أجواء الطاولة السداسية غامضة بخصوص المرشح التوافقي رغم تأكيدها إقرار الفكرة من دون التطرق إلى الاسم، ولذلك أيضًا ثمة منافسة داخلية حامية الوطيس بين عدد من الشخصيات المعارضة.
كما أن ثمة رهانات فرعية لا تشترك فيها المعارضة ككل بل يختص بها كل حزب أو مجموعة من الأحزاب على حدة، فزعيم المعارضة ورئيس حزب الشعب الجمهوري كمال كليجدار أوغلو يراهن على أن مشاركته في جولة الإعادة يمكن أن تضمن له أصوات غير الراغبين في ترشحه اليوم، ولذلك فهو يعاند شركاءه في الإطار التنسيقي للمعارضة غير المتحمسين -بالحد الأدنى- لترشحه.
وتراهن الأحزاب الصغيرة في هذا الإطار التنسيقي، خاصة حزبي أحمد داود أوغلو وباباجان المنشقين عن العدالة والتنمية- على أن تأتي مشاركتها في “طاولة السداسية” بحضور إعلامي وسياسي مقبول ومن ثم فرصٍ أفضل في الانتخابات التركية، وهذا رهان يجمعها اليوم مع الشعب الجمهوري لكنه قد يدفعها إلى تحالفات مختلفة لاحقًا لا سيما على صعيد الرئاسيات.
رهانات أردوغان في الانتخابات التركية

يراهن الرئيس أردوغان بشكل رئيسي على تحسن المؤشرات الاقتصادية قبل موعد الانتخابات التركية، وشعور المواطن/الناخب بهذا التغير بشكل مباشر ومؤثر.
وانتهجت الحكومة سياسة “اقتصاد الانتخابات”، بمعنى أن تعمل على تقليل الجباية وزيادة الإنفاق الحكومي لا سيما على الشرائح الضعيفة مثل محدودي الدخل والشباب والطلاب.
وشملت السياسات الحكومية رفع الحد الأدنى للأجور بنسبة مرتفعة مرتين في العام بخلاف المعتاد، كما شملت حزمًا من الدعم للشركات الصغيرة والمتوسطة، وجدولة للديون، وخفض بعض الضرائب، ومشاريع إسكان للشباب والمقبلين على الزواج وذوي الدخل المحدود.. الخ.
وقدم أردوغان تطمينات بأن تركيا لن تعاني من مشكلة في تأمين موارد الطاقة في فصل الشتاء، وأنه سيسعى لتخفيض الأسعار بتواصل مباشر مع الرئيس الروسي، فضلًا عن وعده ببدء انخفاض نسبة التضخم مع مطلع عام 2023.
وتبذل الحكومة جهود كبيرة للتقليل من آثار ملف اللاجئين أهم الملفات الحاضرة على أجندة الانتخابات، حيث تستمر القرارات الحكومية المتعلقة بخفض أعدادهم عن طريق تشجيع العودة الطوعية وتعديل القوانين والتعميمات المتعلقة بأماكن سكنهم ووثائق إقامتهم وما إلى ذلك.
ومن الرهانات التي تعول عليها الحكومة التركية تلك التي في الشق الدبلوماسي الخارجي، حيث سجلت استطلاعات الرأي تحسن نسبة كل من الرئيس أردوغان وحزب العدالة والتنمية في الشهور الأخيرة.

ومن أبرز إنجازات الحكومة التركية في الدبلوماسية نجاحها في التوسط في اتفاقَيْ تصدير الحبوب الأوكرانية وتبادل الأسرى. ولذلك فقد نشطت الدبلوماسية التركية مجددًا بين روسيا وأوكرانيا (ولكن التطورات الأخيرة صعّبت المهمة) وبين أذربيجان وأرمينيا، فضلًا عن توقيع مذكرة التفاهم بخصوص الموارد الهيدروكربونية مع ليبيا.
كما أن أردوغان يراهن على عدم توافق أحزاب المعارضة فيما بينها واستمرار حالة الخلاف والتراشقات بخصوص بعض المواضيع، وهو ما شهدت الساحة السياسية في البلاد عددًا من الأمثلة عليه في الأسابيع الماضية، حيث تشكل هذه الحالة ضربة مباشرة للسردية الرئيسة لهذه الأحزاب بأنها أتت لتنهي حالة الاستقطاب نحو الهدوء والتفرد لمصلحة العقل الجمعي. وكان تحالف الجمهور الحاكم قد خطا الخطوة الأولى في تشتيت التحالف المعارض من خلال تعديل قانون الانتخاب الذي قلّت كثيرًا معه أهمية التحالفات في الانتخابات البرلمانية والحاجة إليها.
والرهان البارز الذي ينتظره أردوغان، هو تقديم المعارضة التركية مرشحاً توافقياً خاطئاً أو أن يكون مرشح إضعافه سهلاً، الأمر الذي يسهل حسم الانتخابات التركية لصالح أردوغان، وربما ذلك دفع بالرئيس التركي دعم ترشح كمال كليجدار أوغلو من جهة وإصراره على المعارضة أن تعلن اسم مرشحها التوافقي في أقرب فرصة، من جهة ثانية.
بالتأكيد ستكون رهانات الطرفين ذات تأثير كبير وحاسم في الانتخابات التركية، وذلك يعتمد على سياسة كل طرف بتطويع تلك الرهانات لصالحه وترجيح كفته في الاستحقاق الانتخابي القادم.
اقرأ أيضا: المعارضة التركية تعلن برنامجها للحكم في حال فوزها بالانتخابات الرئاسية 2023
اقرأ أيضا: برئاسة أردوغان.. الإنجازات والتحديات للعدالة والتنمية منذ 2018





































