أصبح رجب طيب أردوغان رئيس الجمهورية التركية، عقب الانتقال من النظام البرلماني الى النظام الرئاسي عام 2018، وغدا أردوغان أول رئيس في تركيا عبر انتخابات مباشرة، ومنذ ذلك الوقت قدم الرئيس التركي نموذج اقتصادي ناجح وبنفس الوقت ذاخر بالتحديات.
ومن المعهود أن النجاحات الاقتصادية المستمرة للدول لم ولن تخلو من تحديات تؤثر بشكل ما على أداء الاقتصاد الكلي، وما يرتبط به من تداعيات اجتماعية، تؤثر على مستوى الرضا لدى المجتمع، وبالأخص الجمهور المؤيد للحزب الحاكم.
تركيا على موعد مع انتخابات رئاسية في الـ 14 من أيار/مايو المقبل، ومن أبرز الملفات في هذه الانتخابات هي القضايا الاقتصادية التي عصفت بالمجتمع التركي منذ عام 2018، وأيضا الملفات الاقتصادية الموعودة والتي ستحدد شكل المستقبل الاقتصادي والاجتماعي للبلاد.

سنتعرف فيما يلي على تجربة حزب العدالة والتنمية الاقتصادية، وما مرت به من نجاحات وتحديات برئاسة أردوغان.
اقرأ أيضا: حزب العدالة والتنمية.. 20 عاما من النهوض والإنجازات
اقرأ أيضا: استعدوا لـ الانتخابات التركية 2023.. صحيفة غربية تدعو المعارضة لتوحيد صفوفها ضد أردوغان
إنجازات العدالة والتنمية برئاسة أردوغان
منذ تولي العدالة والتنمية السلطة في تركيا عام 2003، اتسمت التجربة الاقتصادية والاجتماعية بالإيجابية والتطور، وحقق الحزب برئاسة أردوغان العديد من الإنجازات خلال فترة رئاسته الأولى، كرئيس للجمهورية، والتي تنتهي في منتصف عام 2023، وفيما يلي أبرز هذه الإنجازات:
1- افتتاح مطار إسطنبول

دشن الرئيس أردوغان فترته الأولى في الرئاسة، بافتتاح مطار إسطنبول الدولي في نهاية أكتوبر/تشرين الأول 2018، الذي يتسع في مرحلته الأولى لخدمة 90 مليون مسافر سنويا، وتُستكمل مراحل عمله الأربع في عام 2028، ليصل طاقته القصوى لخدمة المسافرين، ويسع حينها نحو 200 مليون مسافر سنويا، ليكون أكبر مطار في العالم.
2- التجارة الخارجية

بالرغم من المشاكل التي مرت بها تركيا على صعيد ارتفاع سعر الفائدة، وانخفاض قيمة العملة المحلية، واصلت الصادرات السلعية التركية نموها بشكل مستمر، واعتمدت بشكل رئيسي على القاعدة الإنتاجية القوية، التي حولت أزمة سعر الصرف إلى فرصة.
وبلغت الصادرات السلعية التركية 225 مليار دولار بنهاية عام 2021، بينما كانت بحدود 177 مليار دولار في عام 2018، وذلك وفق بيانات معهد الإحصاء التركي.
وتشير أرقام قاعدة بيانات البنك الدولي إلى أن قيمة صادرات التكنولوجيا المتقدمة بلغت في عام 2020 بتركيا 4.17 مليارات دولار، بعد أن كانت 3.7 مليارات دولار في عام 2018.
3- ثروة الغاز الطبيعي والنفط

أبرمت تركيا في تشرين الثاني/نوفمبر 2019، اتفاق لترسيم الحدود بينها وبين ليبيا، الخطوة التي أسهمت بالحفاظ على حقوق تركيا وجمهورية قبرص التركية في ثروة الغاز الطبيعي بمنطقة شرق المتوسط، وبذلك استعدت تركيا جيداً للدفاع عن حقوقها بموجب قواعد القانون الدولي.
وفي أغسطس/آب 2020، أعلن أردوغان عن اكتشاف أول بئر لغاز طبيعي بمنطقة البحر الأسود، وقد توالت فيما بعد اكتشافات لآبار أخرى للغاز في المنطقة ذاتها، وتشير التوقعات إلى أن إمكانيات الغاز في البحر الأسود، تغطي كامل احتياجات تركيا من الغاز لمدة 7 سنوات.
كما تم اكتشاف آبار للنفط في محافظة ماردين بالقرب من الحدود السورية، وهي نقلة جديدة في أوضاع الطاقة بتركيا، والجدير بالذكر أن تركيا تستورد 90% من احتياجاتها من الطاقة، وبما يكلفها نحو 45 مليار دولار سنويا.
وفي يونيو/حزيران 2021، دشن الرئيس أردوغان مشروع قناة إسطنبول، وذلك من أجل تخفيف الزحام الشديد على مضيق البسفور، الذي يربط بين البحر الأسود وبحر مرمرة، حيث إن طاقة المضيق تتحمل مرور نحو 25 ألف سفينة سنويا، بينما تمر به الآن نحو 43 ألف سفينة كل عام، ما يؤدي إلى طول فترة السفن للمرور.
ويتوقع أن يبلغ عدد السفن التي تمر بمضيق البوسفور في 2050 نحو 78 ألف سفينة، ومن المستهدف أن تبلغ تكلفة قناة إسطنبول 15 مليار دولار.
4- تطور الصناعات الدفاعية
![]()
زادت صادرات تركيا من الأسلحة بنسبة 30%، مقارنة بالخمس سنوات السابقة عن عام 2016، كما أن واردات تركيا من الأسلحة خلال الفترة 2016 – 2020 انخفضت بنسبة 59% مقارنة بما كانت عليه خلال السنوات الخمس السابقة لعام 2016، وفق بيانات معهد ستوكهولم للسلام.
وكذلك أشرفت هيئة الصناعات الدفاعية التركية على 750 مشروعًا، تبلغ قيمتها 50 مليار دولار، مقارنة بـ26 مشروعًا فقط في عام 2002.
وبلغ عدد الشركات العاملة في مجال الصناعات الدفاعية في عام 2020 1500 شركة، بعد أن كان 56 شركة فقط في عام 2002، وتتوسع تركيا في تصدير منتجاتها الدفاعية ما بين الطائرات المسيّرة والغواصات والسفن والمركبات العسكرية، وكذلك أنواع متطورة من المسدسات والبنادق.
5- صناعة السيارات

نجحت تركيا بأن تكون مركزا إستراتيجيا لصناعة السيارات، حيث يُضم إلى شركاتها المحلية، نحو 13 شركة عالمية لعلامات تجارية كبرى في مجال السيارات، وتتخذ هذه العلامات التجارية من 9 مدن تركية مكان لإقامة مصانعها.
وتشير البيانات الخاصة بالتجارة الخارجية لتركيا، إلى أن أنقرة صدرت خلال السنوات من 2016 – 2021 نحو 900 ألف مركبة إلى 180 دولة، كما أن صادرات السيارات من تركيا في عام 2020 بلغت 25 مليار دولار، موزعة على نحو 118 دولة.
وتحتل بذلك صناعة السيارات صدارة القطاعات المصدرة، وتستهدف تركيا أن تكون الأولى أوروبيا في صناعة السيارات الكهربائية والخامسة على مستوى العالم.
6- توسع سياحي

تعد تركيا ضمن أكبر 10 مقاصد سياحية على مستوى العالم، واستطاعت خلال عام 2021، أن تستعيد حيوية قطاع السياحة في ظل جائحة كورونا، حيث تشير بيانات معهد الإحصاء التركي إلى أن عدد السائحين لتركيا بلغ 29.4 مليون سائح مقارنة بـ15.8 مليونا في عام 2020.
وبلغت الإيرادات السياحية لتركيا في عام 2021 ما قيمة 24.5 مليار دولار، مقارنة بـ12.1 مليارا في عام 2020.
ومن أهم إنجازات العدالة والتنمية برئاسة أردوغان، أداء الحكومة الإيجابي في أزمة كورونا، حيث وفرت الرعاية الصحية مجانيا لكافة المصابين بالجائحة، وكذلك قدمت التطعيمات بالمجان، مع رعاية اجتماعية لكبار السن، وكذلك دعم النشاط الاقتصادي للقطاعات التي أضيرت من الأزمة.
وكان من أهم الجوانب الإيجابية في هذا الملف هو الشفافية التي اتسم بها الأداء الحكومي في إدارة الأزمة، وقد لوحظ تفاعل الشعب التركي مع العاملين بالقطاع الصحي بشكل كبير، عبر ما نظموه من فعاليات في هذا الأمر.
التحديات
صارت تركيا هدفاً للقوى الإقليمية الدولية عقب اتخاذها مواقف سياسية وعسكرية عام 2013، كتأييدها لثورات الربيع العربي واحتضانها المعارضين للثورات المضادة، من الدول العربية بل والإقليم، جعلها مستهدفة سياسيا واقتصاديا.
وكان لخروج قواتها العسكرية في عدد من الدول الإقليمية والعربية، أثر في محاولات البعض للضغط عليها اقتصاديا لإفشال دورها الإقليمي سياسيا وعسكريا، هذا بالإضافة إلى عدة عوامل تتعلق بالسياسة المحلية، مما أدى إلى مجموعة من التحديات الاقتصادية، خلال فترة ما بعد عام 2018، منها:
1- انخفاض قيمة العملة المحلية

في الفترة الممتدة من 2018 الى 2021، واجهت الليرة التركية عمليات مضاربة عنيفة، ولكن الآلية التي استحدثتها وزارة المالية بالتعاون مع البنك المركزي التركي في 20 ديسمبر/كانون الأول 2021، مخرجا مهما، حيث تم بموجب هذه الآلية طمأنة المدخرين على ثرواتهم، عبر ضمان قيمة المدخرات، في حالة تقلبات سلبية لسعر صرف الليرة.
وبلغ سعر الدولار في يناير/كانون الثاني 2018 نحو 3.8 ليرات، بحسب بيانات البنك المركزي، ومنذ ذلك التاريخ والليرة في تراجع من حيث القيمة أمام الدولار، لأسباب بعضها اقتصادي لكن غالبيتها يعود لأسباب سياسية.
وبلغت المضاربات ذروتها في ديسمبر/كانون الأول 2021 حيث تجاوز سعر الصرف 18 ليرة للدولار، ثم قدمت الحكومة آليتها للحفاظ عند سعر صرف بحدود 13.5 ليرة للدولار في فبراير/شباط 2022.
2- ارتفاع أسعار الفائدة

ظل سعر الفائدة بعد عام 2016 عند معدل 8%، ثم أخذ في التصاعد، حتى بلغ 24% في عام 2018، ثم هبط مرة أخرى إلى 8.5%، ثم عاود الصعود إلى 19%، وهي القضية التي أدت لأن يعزل الرئيس أردوغان ثلاثة من محافظي البنك المركزي، وذلك حسب صلاحياته الدستورية، ولكن في ديسمبر/كانون الأول 2021 بلغ سعر الفائدة 14%، وتستهدف السياسات الاقتصادية هبوط سعر الفائدة لأقل مما هو عليه الآن.
3- ارتفاع معدلات التضخم

صعدت معدلات التضخم لمعدلات غير مسبوقة في تاريخ تولي حزب العدالة والتنمية للسلطة، وذلك بسبب اضطراب السياسة النقدية للبنك المركزي التركي، خلال الفترة من 2018 – 2021.
وبلغ معدل التضخم 48.6%، ويتوقع البنك المركزي أن يصل معدل التضخم إلى 55% في مايو/أيار المقبل، ثم ينخفض بمعدلات حادة، بحسب بيانات يناير/كانون الثاني 2022.
وكان من الطبيعي أن يتصاعد معدل التضخم، في ظل الانخفاض الكبير في قيمة العملة المحلية، إلا أن السياسة الاقتصادية لتركيا تستهدف خفض معدلات التضخم، بعد انتهاء الموجة الحالية، التي تستغرق 6 أشهر، تنتهي في مايو/أيار المقبل.
الملفات الداعمة والشائكة لـ أردوغان في الانتخابات التركية المقبلة
يستعد الرئيس أردوغان وحزب العدالة والتنمية للانتخابات المقبلة، معتمدين على إرث الإنجازات الاقتصادية والاجتماعية وأهمها طفرة البنية الأساسية، وتحسين مستوى معيشة الأفراد الذي بلغ متوسط نصيب الفرد من الدخل أكثر من 10 آلاف دولار سنوياً، وكذلك الحفاظ على مقدرات تركيا الإنتاجية، واستمرار استهداف التصدير، وانتعاش قطاع السياحة، لما يوفره ذلك من فرص عمل وزيادة قيمة الناتج المحلي الإجمالي.
يتزامن ذلك مع وجود ملفات شائكة ومعقدة، وأبرزها زيادة الأعباء على كاهل الأسر، وارتفاع معدلات التضخم، وزيادة أسعار السلع والخدمات، ولذلك تسعى الحكومة التركية لخفض أسعار الفائدة إلى معدلات مقبولة، وأن ينخفض معدل التضخم، وأن تكون الليرة في وضع أفضل من حيث سعر الصرف مما يخفف من وطأة أعباء المعيشة على الأسر التركية.
ومن جهتها تتذرع المعارضة التركية بهذه الملفات التي تمثل تحديات أمام الحكومة التركية لمهاجمتها بها، وعادة ما تلجأ إلى إسناد التراجع في هذه المؤشرات إلى سوء إدارة الحكومة، ولا تقترب المعارضة من الأسباب السياسية إطلاقا على الرغم من كونها تمثل الثقل الأكبر في حدوث هذه المشكلات.
سيناريوهات القضايا الاقتصادية
من المؤكد أنه سيكون لواقع الأداء الاقتصادي للحكومة التركية وما ينتج عنه في حياة المواطنين، خلال الأشهر القادمة لحين موعد الانتخابات الرئاسية، أثر كبير في عملية التصويت.
وتعتبر الـ 4 أشهر القادمة فرصة لحزب العدالة والتنمية برئاسة أردوغان، للتركيز في تغيير طبيعة المعادلة الاجتماعية وثمة فرصة إيجابية قد تساعد العدالة والتنمية والرئيس أردوغان في انتخابات 2023، وبخاصة في إطار الملفات الاقتصادية.
فتجربة الأحزاب المحلية التي فازت بنحو 5 بلديات كبرى، لم تكن إيجابية على الصعيد الاقتصادي، وبخاصة في كبرى البلديات، وهي إسطنبول، حيث يشعر المواطن بخيبة أمل، في أداء البلدية وبخاصة في الأزمات، وعدم تحقيق رئيس بلدية إسطنبول لكثير من وعوده الانتخابية، وبخاصة في قضية خفض أسعار السلع والخدمات.
ويمكن القول إن السيناريو المرجح، أن يكون حزب العدالة والتنمية والرئيس أردوغان، في مقدمة النتائج الانتخابية، ولكن في ظل ظروف صعبة، ومنافسة شرسة.
اقرأ أيضا: الانتخابات التركية المرتقبة 2023.. أبرز 10 أسئلة يتداولها الرأي العام التركي
اقرأ أيضا: استطلاع رأي يكشف نسبة تصويت الأحزاب في الانتخابات التركية المقبلة 2023





































